صحيح قد يكون الاجتهاد المقاصدي في الفقه والتشريع، هو الموقع الأهم والأخص، لكن قد تكون المشكلة المطروحة التي نعاني منها تكمن في غياب العقل المقاصدي والتفكير المقاصدي والسلوك المقاصدي الهادف، الذي ينعكس على الأنشطة والمسالك البشرية في جميع حقولها الفكرية والمعرفية والسلوكية .
ذلك أن الأصل في العقل المقاصدي أن يكتشف الطاقات، ويضع لها الخطة والهندسة المناسبة، ويؤصل المنطلقات، ويحدد الأهداف المرحلية والاستراتيجية، ويضع البرامج، ويبتكر الوسائل، ويحدد المسؤوليات، ويبصر بمواطن القصور والخلل، ويكتشف أسباب التقصير، ويدفع للمراجعة والتقويم واغتنام الطاقة، والتقاط الفرصة التاريخية، والإفادة من التجربة، ويكسب العقل القدرة على التحليل والتعليل والاستنتاج والقياس، واستشراف المستقبل في ضوء رؤية الماضي، ويحمي من الإحباط والخلط بين الإمكانيات والأمنيات .. وبمعنى آخر، إن بناء العقل المقاصدي الغائي ينعكس عطاؤه على جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، ويحقق الانسجام بين قوانين الكون ونواميس الطبيعة وسنن الله في الأنفس، وامتلاك القدرة للتعرف على الأسباب الموصلة إلى النتائج، وإمكانية المداخلة والتسخير المطلوب شرعا .
إن العقل المقاصدي الذي بناه القرآن والسنة، انطلق من الوحي، وارتكز على التفكير، وتوجه صوب الفطرة الإنسانية، واستخدم الأسلوب البياني والبرهاني، ووثق طروحاته بشهادة الواقع، وأفاد من عبرة التاريخ ومصائر الأمم بسبب فساد تعاطيها للأسباب، وعرض مشاهد لواقعها في العقيدة والعبادة والسياسة والتشريع والفكر والثقافة والعادات والأخلاق والموروث الاجتماعي .