نصائح لأئمة المساجد
س 16: بعض الأئمة ممن رزقه الله صوتا حسنا ورقة وخشوعا في قراءة القرآن، خصوصا من الشباب لوحظ أن تقدير الناس والثناء عليهم تجاوز حد الاعتدال، بل وصل الأمر أن يقوم الشيخ المسن بتقبيل رأس هذا الإمام الشاب، فما مدى موافقة ذلك للشرع؟ وهل لكم من توجيه لهؤلاء المأمومين أن لا يبالغوا في المدح والثناء؟ وهل من نصيحة للأئمة لينجوا من حبائل الشيطان وكيده؟
ج 16: إذا كان هذا الصوت طبيعة وجبلة فلا مانع من ذلك، لكن على الإمام أن لا يبالغ إلى حد فيه شيء من التكلف، الذي يخرجه عن حد الاعتدال، بل عليه أن يقرأ كما علمه الله، ويلزمه الإخلاص في قراءته، وإصلاح النية، بأن يريد وجه الله والدار الآخرة، ولا يكون قصده الشهرة وانتشار الخبر عنه على ألسن الناس، كما أن عليه التواضع، وتصغير نفسه، واحتقار عمله، بأن لا يرى نفسه أهلا للتوقير ولا للاحترام، وعليه أن يمنع من يغلو فيه [1] أو يعامله بما لا يستحقه، كما أن على المأمومين أن لا يَصِلُوا به إلى حد التعظيم والتبجيل.
ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في غاية من التواضع، وحث أصحابه على أن لا يرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، كما روي عنه أنه قال: إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد [2] .
(1) والنبي -صلى الله عليه وسلم- خير البشر أجمع، كان يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء 3261.
فمن باب أولى علينا أن نمنع من يرفعنا فوق منزلتنا، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه، والله المستعان.
(2) أخرجه ابن المبارك في الزهد 53، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عبيد الله بن عبيد، قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بطعام، فقالت له عائشة، لو أكلت يا نبي الله وأنت متكئ كان أهون عليك، فأصغى بجبهته حتى كاد يمس الأرض بها، قال: بل آكل كما يأكل العبد، وأنا جالس كما يجلس العبد، وإنما أنا عبد، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجلس متحفزا.
وعبيد الله بن الوليد الوصافي، هو أبو إسماعيل الكوفي، قال أحمد: ليس بمحكم الحديث، يكتب حديثه للمعرفة، وقال يحيى: ضعيف الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال العقيلي: في حديثه مناكير لا يتابع على كثير من حديثه.
وأخرجه عبد الرزاق 10/ 415 عن أيوب، بلفظ: كان إذا أكل احتفز، وقال: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد. وسنده مرسل، فأيوب هو: ابن أبي تميمة، واسمه كيسان السختياني العنزي مولاهم، البصري، وعداده في صغار التابعين، وهو ثقة ثبت، من كبار الفقهاء العباد توفي سنة 131هـ.
وأخرجه عبد الرزاق من طريق آخر 10/ 417، عن يحيى بن أبي كثير. وسنده -أيضا- مرسل. فيحيى بن أبي كثير الطائي، ثقة ثبت، عداده في صغار التابعين، قال ابن حجر: لكنه يدلس ويرسل، ويقال: لم يصح له سماع من صحابي، توفي سنة 192هـ. وأخرجه ابن سعد 1/ 280 بإسناده عن يحيى بن أبي كثير به.
وقال العجلوني في كشف الخفا 1/ 17: رواه ابن سعد بسند حسن. اهـ. وهذا غير مسلم به، فالإسناد ضعيف، لإرسال يحيى.
وأخرجه ابن سعد -أيضا- 1/ 288 من طريق سعيد المقبري. عن عائشة وفيه .. قالت: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، لا يأكل متكئا ويقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد. وهذا الإسناد فيه علتان:
الأولى: في سنده نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو أبو معشر، مولى بني هاشم ضعيف، توفي سنة 170هـ.
قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن مهدي تعرف وتنكر، وقال النسائي والدراقطني: ضعيف.
الثانية: سعيد المقبري، هو سعيد بن أبي سعيد، كيسان المقبري ثقة.
قال ابن حجر: وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة. اهـ.
وأخرجه ابن أبي شيبة 7/ 78، بلفظ مقارب، من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر. وفي سنده رجل مجهول.
وهناد: بن السّري في الزهد 2/ 411، 412 بإسنادين: الأول: من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، به وهو إسناد ضعيف لأمرين:
الأول: إسماعيل، هو أبو إسحاق البصري، إسماعيل بن مسلم المكي.
قال أحمد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الجوزجاني: واهي الحديث جدا.
والثاني: أن الحسن أرسله.
الإسناد الآخر: من طريق أبي سنان، عن عمرو بن مرة، به. وهذا إسناد مرسل.
فعمرو هو ابن مرة بن عبد الله بن طارق بن الحارث، الحافظ أبو عبد الله المرادي الكوفي، ثقة، عابد، كان يدلس، ورُمي بالإرجاء.
وأخرجه الإمام أحمد في الزهد ص 17 بإسنادين: الأول: من طريق عبدة بن أيمن، عن عطاء بن أبي رباح، قال: دخل علي النبي -صلى الله عليه وسلم- .... وهذا إسناد مرسل.
فعطاء ابن أبي رباح، ثقة، فقيه، لكنه كثير الإرسال.
قال القطان: مرسلات مجاهد، أحب إلي من مرسلات عطاء بكثير، كان عطاء يأخذ عن كل ضرب. اهـ.
وقال أحمد: ليس في المرسلات شيء، أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح، كانا يأخذان عن كل أحد. اهـ. وأيضا عبدة بن أيمن لم أعرفه!؟
الثاني: من طريق جرير بن حازم، عن الحسن، وإسناده مرسل -أيضا- قال محمد ناصر الدين -رحمه المولى- وإسناده مرسل صحيح.
وأخرجه أبو يعلى في مسنده 4/ 442، من طريق أبي معشر، عن سعيد، عن عائشة ..
قال في مجمع الزوائد 9/ 19: رواه أبو يعلي، وإسناده حسن. اهـ.
أقول: بل هو ضعيف، لضعف أبي معشر، وسعيد يرسل عن عائشة، كما تقدم.
وأخرجه البغوي في شرح السنة 13/ 247، 248، من طريق أبي معشر عن سعيد، عن عائشة. وهو ضعيف، ولكن له شاهد، أورده المصنف، عن ابن عباس وفيه انقطاع، بالإضافة إلى أن في الإسناد بقية بن الوليد، وهو مدلس. والخلاصة: أن الحديث بمجموعه صحيح.