وثبت في الصحيح «أن ابن مسعود قرأ على النبي -صلى الله عليه وسلم- من سورة النساء إلى قوله -تعالى-: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال: حسبك الآية. قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» [1] .
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كثير البكاء، وكان في خديه خطان من البكاء [2] وقال أبو رجاء رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشّراك البالي من الدموع [3] والآثار في هذا كثيرة، يعلم منها أن بكاء السلف كان عند سماع القرآن، ولكن كانوا -أيضا- يبكون عند سماع المواعظ، ففي حديث العرباض قال: «وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون» الحديث [4] .
فينبغي الخشوع والبكاء أو التَّباكي، عند سماع آيات التخويف، وآيات العذاب، وكذا عند المواعظ التي تشتمل على تذكير وتنبيه، سواء كانت من الأدعية أو الأدلة، وينبغي أن يعلم أن البكاء هو أثر الخشوع، وحضور القلب، وأثر التفكر والتأمل لما يسمعه من الآيات التي تتعلق بالآخرة، سواء في ذكر الجنة والنار، أو ذكر الموت وما بعده، أو ذكر العقوبات والمثلات الدنيوية، وكذا ما تشتمل عليه الأدعية في القنوت أو غيره من ذكر الرغبة والرهبة، والإلحاح في الطلب، فمتى أحضر السامع قلبه، وتدبر معاني ذلك، رق قلبه ودمعت عيناه، وليس ذلك خاصا بدعاء القنوت، بل يعم كل ما اشتمل على الوعظ والتخويف من المسموعات والمرئيات، والله المستعان.
(1) صحيح البخاري، في كتاب التفسير رقم 4306، وفي كتاب فضائل القرآن رقم 4762، 4763.
وصحيح مسلم، 800 في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن.
(2) أخرجه الإمام أحمد في الزهد 178 عن المطلب بن زياد عن عبد الله بن عيسى وأبو نعيم في الحلية 1/ 51، عن كريب، عن عبد المطلب، عن عبد الله بن عيسى.
والإسناد صحيح إلى عبد الله بن عيسى وهو بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ولكنه منقطع، فعبد الله بن عيسى، لم يدرك عمر.
وأورد هذا الأثر ابن الجوزي في صفة الصفوة 1/ 148.
(3) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 329، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال: حدثني أبي، ويحيى بن معين، قالا: ثنا معمر، عن شعيب، عن أبي رجاء، قال: كان هذا الموضع من ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- مجرى الدموع- كأنه الشرك البالي.
والإسناد صحيح، وقد وقع في المطبوع معمر، وأظنه -والله أعلم- تصحف من معتمر وهو معتمر بن سليمان، وأخرجه ابن نصر في قيام الليل، باب البكاء عند قراءة القرآن 144.
وأورده ابن الأثير في أسد الغابة 2/ 292 قال:
وقال المعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم، قال: كان هذا المكان -وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه- من خَدَّي ابن عباس مثل الشراك البالي، من كثرة البكاء.
وأورده الذهبي في السير 3/ 352، عن معتمر بن سليمان، عن شعيب، عن أبي رجاء.
(4) أخرجه الإمام أحمد 4/ 126، 127، وأبو داود في سننه 4607، والترمذي 2678، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه 42، والدرامي 1/ 44 وصححه ابن حبان. والحديث صحيح.