الصفحة 26 من 47

وردد سعيد بن جبير: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [1] وردد -أيضا-: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [2] وردد أيضا: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [3] .

وكان الضحاك إذا تلا قوله -تعالى-: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} رددها إلى السحر [4] . اهـ.

ومن هذه الآثار يعلم أن القارئ يردد هذه الآيات الوعظية لتأثره بها. وليس لتأثيرها في غيرها، ولكن لا مانع من الأمرين.

وأما البكاء عند سماع القرآن فهو صفة العارفين، وشعار الصالحين، كما قال -تعالى-: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}

وقد ورد في الحديث: «اقرءوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» [5] .

(1) أخرجه الإمام أحمد في الزهد 513، عن يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعًا وعشرين مرة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} وابن نصر في قيام الليل150، وابن أبي شيبة 7/ 203، وأخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق الإمام أحمد 4/ 272.

وأبو عبيد بإسناده عن يزيد، عن أصبغ بن زيد عن القاسم.

والإسناد حسن، لحال أصبغ بن زيد، قال ابن حجر: صدوق يُغْرِب، قال أحمد: ليس به بأس ما أحسن رواية يزيد عنه. وقال ابن معين: ثقة.

(2) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 224، عن وكيع عن سعيد بن عبيد، قال سمعت سعيد بن جبير وهو يصلي بهم في شهر رمضان يردد هذه الآية: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وإسناده صحيح.

وأخرجه أبو نعيم في الحلية 4/ 272، من طريق قتيبة بن سعيد عن عبد الواحد بن زيادة عن سعيد بن عبيد، قال: كان سعيد بن جبير إذا أتى على هذه الآية: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ} رجع فيها ورددها مرتين أو ثلاثا.

وأخرجه بسند آخر. وأخرجه ابن نصر في قيام الليل ص 150.

ووكيع في الزهد 1/ 392 عن سعيد بن عبيد الطائي، قال: سمعت سعيد ابن جبير يردد هذه الآية، وهو يؤمهم في شهر رمضان ... والأثر صحيح.

(3) التبيان 114.

(4) التبيان 114.

(5) أخرجه ابن ماجه في سننه 1337، من طريق الوليد بن مسلم عن أبي رافع، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص، وقد كف بصره، فسلمت عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقال: مرحبا بابن أخي، بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به، فليس منا

وأبو يعلى في مسنده 1/ 330 بالطريق نفسه، والبيهقي في السنن.

وفي الشعب، 2/ 363 بالإسناد نفسه، قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1/ 277: إسناده جيد اهـ.

وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: في إسناده أبو رافع، اسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك. اهـ وتابع إسماعيل بن رافع، عبد الرحمن بن عبيد بن أبي مليكة. عند القضاعي في مسنده 2/ 208.

وفي الباب عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا، فتباكوا ... الحديث أخرجه البغوي، في شرح السنة 15/ 253. من طريق عبد الله بن المبارك، عن عمران بن زيد التغلبي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس.

والإسناد ضعيف، لضعف يزيد، قال ابن عدي في الكامل 7/ 258 وليزيد الرقاشي: أحاديث صالحة، عن أنس وغيره، ونرجو أنه لا بأس به برواية الثقات عنه، من البصريين، والكوفيين وغيرهم. اهـ.

قال الإمام أحمد: ليس ممن يحتج به.

وفي الباب عن عبد الملك بن عمير، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إني قارئ عليكم سورة فمن بكى فله الجنة، فقرأ فلم يفعل ذلك أحدٌ منهم، فقال -أيضًا-: فلم يفعل ذلك أحدٌ منهم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- إني قارئ عليكم سورة فمن بكى فله الجنة فإن لم تبكوا فتباكوا.

أخرجه البيهقي في الشعب 2/ 363، وقال: هذا مرسل. اهـ.

وهو كما قال وفي الباب -أيضًا- عن جرير، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلفظ مقارب وفيه: إني قارئ عليكم سورة ألهاكم ...

أخرجه البيهقي في الشعب من طريق إبراهيم بن محمد الفريابي، عن سلام بن واقد، عن أبي جمرة السكري عن أبي إسحاق الهمداني عن جرير.

قال البيهقي: وهذا إسناده ضعيف، بمرة تابعه محمد بن إبراهيم بن محمد الفزاري، عن إبراهيم بن محمد الفريابي. اهـ.

وأخرج الطبراني في الكبير من طريق معمر بن الحسن عن بكر بن خنيس عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير عن جرير، بلفظ مقارب، وفيه: إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر ...

قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه بكر بن خنيس، وهو متروك. اهـ.

وقال ابن كثير: هذا حديث غريب جدًا. اهـ.

وورد موقوفا على أبي بكر الصديق، أخرجه وكيع في الزهد 29 عن مسعر، عن أبي عون الثقفي، عن عرفجة السلمي، قال: قال أبو بكر: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا.

ومن طريق وكيع، أخرجه أحمد في الزهد 162، وابن أبي شيبة. ورجاله ثقات، غير عرفجة، وهو ابن عبد الله الثقفي أو السلمي، ذكره العجلي في الثقات 331، وقال: كوفي، تابعي، ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.

وقال ابن حجر: مقبول.

وقد ورد -أيضا-. موقوفا على أبي موسى، كما أخرج ذلك أبو نعيم في الحلية 1/ 261. وورد موقوفا على غيرهما.

قال الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد 1/ 185، وهو يعدد أنواع البكاء: وما كان منه مستدعي متكلفا، فهو التباكي، وهو نوعان: محمود، ومذموم.

فالمحمود: أن يستجلب لرقة القلب، ولخشية الله، لا للرياء والسمعة.

والمذموم: أن يجتلب لأجل الخلق، وقد قال عمر بن الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقد رآه يبكي هو وأبو بكر، في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، ولم ينكر عليه -صلى الله عليه وسلم- وقد قال بعض السلف: ابكوا من خشية الله، فإن لم تبكوا فتباكوا. اهـ.

أقول: والحديث الذي ساقه ابن القيم -يرحمه الله- في شأن أسارى بدر هو في صحيح مسلم، في كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت