إذا جئنا للإتقان في جمع السنة النبوية، والمهمة التي انتدب لها عمر بن عبد العزيز رحمه الله الجمع العظيم من المحدثين من أهل الإتقان، كالزهري وغيره، وفي النصف الأول من القرن الهجري الثاني ضُمت الأبواب بعضها إلى بعض وخرج موطأ مالك آية، وبعده البخاري ومسلم وأصحاب السنن، ولما رأي البخاري هذه التصانيف الجامعة للحسن وغيره، مما نزل عنه اتجهت همته لجمع الحديث الصحيح، وقوى ذلك ما سمعه من أستاذه إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح.
لقد أتقنه أيما إتقان، حتى غدا أصح كتاب بعد القرآن.
وقال: صنفت جميع كتبي ثلاث مرات، و ما زال ينقحه ويراجعه.
وقال: صنفت (الجامع) من ستمائة ألف حديث، فتم انتخاب صحيح البخاري من ست مائة ألف حديث في ستة عشر سنة، قال: وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله.
وقال: ما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى، وتيقنت صحته بعد صلاة ركعتين.
وسماه: الجامع الصحيح المسند.
كل محدث له تلاميذ، وتلاميذ الشيخ طبقات، فالطبقة الأولى من لازموه في حضره وسفره وأخذوا عنه في أحواله وراجعوا وسمعوا منه الحديث مرارًا وتكرارًا، إلى أن تنزل إلى واحد ما سمع منه الحديث إلا مرة واحدة، وكان البخاري رحمه الله يلتزم في إخراجه أحاديث الطبقة الأولى، وقد ينزل للثانية عن الراوي، ثم اشترط أنه لا بد أن يكون الراوي ثبت سماعه من الراوي الذي قبله ولو مرة.
المعاصرة وإمكان اللقاء شرط مسلم، أما البخاري فعنده قضية ثبوت السماع، ولذلك جاء هذا الصحيح آية في الإتقان، في علم الحديث الإتقان هو الميزان الذي يقبل به حديث الراوي أو يُرد، فمن شرط حديث الراوي الضبط، وهو الدقة في الحفظ، وإتقان الحفظ، قالوا: تُقبل رواية المتقن الضابط وليست العبرة بكثرة المرويات بل بما يتقنه.