لقد حرص المسلمون على إتقان تجويد كتاب الله تعالى، وإخراج كل صوت من مخرجه، ولما كان بعض الحروف فيها تقارب في المخرج ضبطوها، وبينوا صفاتها، وحفظوها من الطغيان والتطفيف فلم يهملوا تحريكًا ولا تسكينًا ولا تفخيمًا ولا ترقيقًا، وضبطوا مقادير المدَّات في التجويد، وتفاوت الإمالات، وميزوا بين الحروف والصفات، ولذلك صار في علم القرآن وقراءة القرآن مجال عظيم للإتقان، وفيه تفاوت كبير وصار هنالك دقة رواية، وسلامة ضبط وجودة الأداء.
الإتقان في جمع القرآن
أما مسألة جمع القرآن فقد كان الإتقان فيه عجبا، فقد أسندت المهمة إلى رجل شاب عاقل (لا نتهمك) كما قال أبو بكر رضي الله عنه لزيد بن ثابت رضي الله عنه، من كتبة الوحي، فتتبع القرآن فاجمعه.
أولًا الإحساس بعظم المهمة يدل على رغبة هذا الشخص وما استجمع له من قواه لأجل الأداء، قال زيد: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ] جَمْع عَسِيب وَهُوَ جَرِيد النَّخْل،[.
وَاللِّخَافِ]جَمْع لَخْفَة، قيل هي: الْحِجَارَة الرِّقَاق. أو صَفَائِح الْحِجَارَة الرِّقَاق [.
وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ. رواه البخاري.
فانظر كيف اختار الصديق رحمه الله ورضي عنه وأرضاه لهذه المهمة شابًا بهذه المؤهلات وهذه الصفات، وفي عهد عثمان تم أيضًا الجمع الثاني بغاية الإتقان، فكان الجمع الأول موجودًا في هذه الألواح واللخاف والصحف، وهذه العُسب ونحوها من عظام الأكتاف التي كان يكتب عليها، في عهد عثمان تم جمع هذا كله في مصحف واحد، فكانت الخطوات كما يلي:
-أن تنسخ الصحف الأولى التي جمعها زيد بن ثابت رضي الله عنه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مصاحف متعددة
-أن ترسل نسخة إلى كل مصر من الأمصار فتكون مرجعا للناس هناك.