والمدقِّقُ في حال السوق التجويدية اليوم يجد أن الأداء المنطوق أصابه تلوث العاميات المعاصرة، والمكتوب أصابه الخلل بسبب التقعيد لهذه اللهجة العامية في بطون كتب التجويد المعاصرة؛ ونلحظ تباينًا ظاهرًا بين أداء بعض الأحكام، وطريقة وصفها في كتب التلاوة، كما أن هناك اختلافًا في نطق عدد من الأحرف الفصيحة التي نزل بها القرآن، وبين طريقة أدائها ووصفها في الكتب المعاصرة.
وكانت كلُّ هذه القضايا قد لفتت نظري منذ سنواتٍ، وكتبتُ عدَّةَ أبحاثٍ في فتراتٍ متتابعةٍ، تعالج بعضًا من تلك الظواهر الأدائية في التلاوة، وصارت عندي قناعة بضرورة اعتناء القائمين على أمر تعليم تلاوة القرآن بتلك القضايا، حتى تلتقي كلمتهم على رأي موحَّدٍ فيها، وحتى تتوحَّد صور الأداء.
فالمصريُّ مثلًا يقرأ وحدات القرآن الصوتية بلهجته العاميَّة، والشاميُّ يغلب عليه الإمالة في بعض الحروف، وكذلك أهل الخليج غلب عليهم بعض الظواهر البدوية النبطيَّة، وأهل المغرب العربي لهم ظواهر خاصة في الأداء، ويستطيع المستمع المدقق يحكم على القارئ من أيِّ الديار هو بسبب لهجته العامِّيَّة.
فمثلًا استمع لقارئ من أفريقيَّا، أو السودان، أو من العراق ستجد تباينًا بين لهجة هؤلاء وهؤلاء، والكل يدَّعي أنه بلغ ذروة سنام الإتقان، ويرمي غيره بالجهل بالأداء وحنكته، وبعضهم يحتج بالتلقِّي، فمثلًا أهل السودان لا ينطقون بحاءٍ خالصةٍ بل يبدلونها بصوت الهاءِ الخالصةِ، وللأسف يحتجُّون علينا بأنهم تلقَّوها هكذا عن مشايخهم، وللأسف يزعمون أيضًا أن عندهم سندًا بهذا التلقِّي. فهل في هذا التلقِّي حجَّة يحتجُّ بها المحتجُّون؟ بالطبع لا، فلا بدَّ من تقييد هذا التلقِّي بما وضعه أئمة القراءة من ضوابط؛ لأن ما سطَّرُوه في بطون كتبهم ما هو إلا عبارة عن المشافهة التي كانت في عصرهم، فيحتج بهذه المشافهة ولا حجية في مشافهة المعاصرين ممن غلبت عليهم اللهجات العامية في درج القراءة.