الصفحة 30 من 238

وبالرغم من استناد علماء التجويد على جهود سابقيهم من علماء العربية وعلماء القراءة، فقد جاء عملهم متميزًا، ولا يمكن أن نعده جزءًا من تلك الجهود، وإنما جاء عملًا شاملًا للدرس الصوتي، أما علماء العربية فإنهم عالجوا الموضوع في إطار الدرس الصرفي، وهو أمر تجاوزه علماء التجويد، وذلك بالنظر إلى أصوات اللغة نظرة أشمل من ذلك.

أمَّا علماء القراءة فإنهم كانوا مشتغلين برواية النص القرآني الكريم، وضبط حروفه كما نقلتها طبقات علماء القراءة طبقة عن طبقة، حتى تنتهي إلى طبقة الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين تلقَّوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يمكن أن تُعدَّ الكتب التي ألَّفها القراء في وصف القراءات القرآنية بدءًا للتأليف في علم التجويد؛ لأن علم القراءة وعلم التجويد، وإن كان كل منهما يرتبط بألفاظ القرآن، يختلفان في الموضوع كما يختلفان في المنهج، أما الموضوع فإن علم التجويد لا يعنى باختلاف الرواة بقدر عنايته بتحقيق اللفظ وتجويده، مما لا اختلاف في أكثره بين القراء الرواة، وأما المنهج فإن كتب القراءات كتب رواية، وكتب التجويد جزء من علم الرواية؛ لأنها تقعيد لكيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا يعني تأخر ظهور التأليف في علم التجويد أن القراء كانوا ينطقون القرآن قبل ذلك على غير أصل واضح، كما لا يعني أن علماء التجويد اختلقوا هذه الأصول أو ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، فالواقع هو أن قراء القرآن كانوا يعتنون غاية الاعتناء بتجويد الألفاظ، وإعطاء الحروف حقها منذ عصر الصحابة وهلمَّ جرّا، حتى عصر ظهور المؤلفات في علم التجويد، وكانوا يستندون في ذلك إلى الرواية عن الثقات الأثبات، وعن الأصول المرعية عند العرب في نطق لغتهم بشرط مجيء الرواية بها عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا.

فأصول علم التجويد وقواعده إذن كانت موجودة في الكلام العربي، يحرص عليها القراء ويعتمدون عليها في قراءتهم وإقرائهم، وإن لم تكن مدونة، شأنها في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت