معناه، على حَسَبِ ما إلينا أدَّاهُ من لَقِينَاهُ من العلماءِ، وشاهدناه من الفُهَمَاءِ، عن الأئِمَّةِ الماضينَ، والقُرَّاء السَّالفينَ؛ لِتَتَوَفَّرَ بذلك فائدتُهُ، ويَعُمَّ نَفْعُهُ مَنْ رَغِبَ حِفْظَهُ، وأرادَ معرفتَهُ من الْمُتَنَاهِينَ والْمُقْصِرِينَ، إن شاء الله تعالى" [1] ."
وإذا كان بإمكاننا أن نقول إن مكيًّا ألَّف كتاب (الرعاية) سنة (420 هـ) اعتمادًا على النص الذي سبق نقلناه من الكتاب، فإننا لا نعلم يقينًا السنة التي ألَّف فيها الداني كتاب (التحديد) ، ولا نعلم هل ألفه قبل أن يظهر كتاب (الرعاية) أو بعد ظهوره؟
ومهما يكن من أمرٍ فإن نشأة علم التجويد ترتبط بقصيدة أبي مزاحم الخاقاني، وإن مؤلفاته الأولى تتمثل في كتاب (الرعاية) لمكي، وكتاب (التحديد) للداني، وكذلك كتاب (الموضح) لعبد الوهاب القرطبي (ت 462 هـ) ، ثم تتوالى المؤلفات بعد ذلك متواصلة حتى عصرنا الحاضر.
وارتباط نشأة علم التجويد بالمؤلَّفات المذكورة هنا، يعني أن علم التجويد قد تأخر ظهوره بشكله المتميز المستقل أكثر من قرنين من الزمن، عن ظهور كثير من علوم القرآن والعربية، ويبدو أن جهود علماء العربية من النحويين واللغويين، وجهود علماء القراءة كانت تقوم بالمهمة التي قام بها علم التجويد بعد ظهوره، في تعليم الناطقين أصول النطق الصحيح، وتحذيرهم من الانحراف في نطق الحروف العربية.
وتكاد تتلخص جهود اللغويين والنحاة في دراسة الأصوات العربية حتى أواخر القرن الرابع الهجري بما كتبه الخليل بن أحمد (ت 175 هـ) في مقدمة كتاب (معجم العين) عن مخارج الحروف وصفاتها. وسيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان (ت 180 هـ) في (الكتاب) في باب الإدغام خاصة. والمبرِّد أبو العباس محمَّد بن يزيد (ت 285 هـ) في كتاب (المقتضب) في أبواب الإدغام. وابن دريد الأزدي، أبو بكر
(1) ينظر: التحديد في صنعة الإتقان والتجويد للداني (97 - 99) .