وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتًا، ذكر فيها أبو مزاحم بعض الموضوعات التي صارت فيما بعد جزءًا من علم التجويد، وكان لهذه القصيدة أثرٌ واضحٌ في جهود اللاحقين في علم التجويد، فهم بين مقتبس منها مستشهد بأبياتها، وبين معارض لها، أو شارح موضح لمعانيها.
ومع أن القصيدة الخاقانية هي أوَّل مصنف مستقل ظهر في علم التجويد؛ إلا أن أبا مزاحم لم يستخدم فيها كلمة (التجويد) ، ولا أيًّا من الألفاظ الأخرى التي تشاركها في المادة اللغوية، واستخدم كلمة (الحُسْن) ، وما اشْتُقَّ من مادَّتها. فقد قال في صدر البيت الخامس:
أَيَا قَارِئَ القُرْآنِ أَحْسِنْ أَدَاءَهُ ...
وقال في صدر البيت السابع عشر:
فَقْد قُلْتُ فِي حُسْنِ الأدَاءِ قَصِيدَةً ...
وعدم استخدام أبي مزاحم لكلمة (التجويد) في قصيدته يدل على أن هذا المصطلح لم يكن مشهورًا حينذاك، على الرغم من ظهوره في ذلك الوقت، فقد استخدمه معاصره ابن مجاهد، كما مرَّ في النص الذي نقلناه آنفًا.
وأوَّل من استخدم مصطلح (التجويد) بعد ابن مجاهد هو أبو الحسن علي بن جعفر السَّعيدي (ت 410 هـ) تقريبًا. فقد قال في أوَّل كتابه (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) :"... سألتني ... أن أُصنِّفَ لك نُبَذَا ً من تجويد اللفظ بالقرآن ..." [1] . وقال في موضع آخر:"ويؤمر القارئ بتجويد الضَّاد من"
(1) ينظر: التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي للسعيدي (ص 27) .