وقد جاء في بعض المصادر المتأخرة أن الصحابي عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ) - رضي الله عنه - قال:"جوِّدُوا القرآن ..." [1] ، واستند بعض المُحْدَثِين إلى هذه الرواية في القول بأن نشأة علم التجويد ترجع إلى عصر الصحابة، وقال:"ولسنا نملك لهذا النوع من الدراسة مادة كافية تسمح بتتبع تطوره، ووصف المراحل التي قطعها حتى صار علمًا مستقلًا هو (علم التجويد) ، وكل الذي يعرف عن مراحله الأولى أن أوَّل من استخدم هذه الكلمة في معنى قريب من معناها هو ابن مسعود الصحابي (ت 32 هـ) الذي كان ينصح المسلمين بقوله:"جوِّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات"... ويبدو أن نشأة علم التجويد جاءت استجابة لدعوة ابن مسعود، ومحاولة لتقنين قواعد القراءة اقتفاء لأثره ...".
ولكن هذه الرواية عن ابن مسعود (ت 32 هـ) في المصادر القديمة جاءت على نحو آخر لا تصلح معه للاستشهاد في ما نحن بصدده، فقد جاء فيها: (جَرِّدُوا) بالراء بعد الجيم مكان (جوِّدوا) بالواو بعد الجيم، ورجَّح بعض الباحثين أن الرواية تصحَّفت في المصادر المتأخرة؛ لأنها تنقل النص بإسناد ينتهي إلى أسانيد المصادر القديمة، ثم يختلف النص بعد ذلك في حرف واحد، وهذه الرواية تتعلق في الأصل بموضوع تجريد القرآن من الزيادات المتمثلة بالخموس والعشور وأسماء السور ونحو ذلك.
ومن المعلوم أنه لم يرد في القرآن الكريم من مادَّة: (جَ وَ دَ) شيء في وصف القراءة، كذلك لم يرد في (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) الذي يعتمد على تسعة من أشهر كتب الحديث، شيئًا من ذلك. وهذا أمر يمكن يستدل به على أن
(1) لم ترد الرواية بلفظ"جوِّدوا القرآن"بل بلفظ"جرِّدوا القرآن"، ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (7/ 199) ، مصنف عبد الرازق (4/ 323) ، المستدرك على الصحيحين (1/ 339) ، في المعجم الكبير للطبراني أخرج بسنده عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:"جَرِّدُوا الْقُرْآَنَ لا تَلْبِسُوا بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ".ينظر: المعجم الكبير للطبراني (8/ 300) ،ح 9637، شعب الإيمان للبيهقي (6/ 197) ،ح 2560.