ولو نظرنا إلى واقع السوق المحلية للتجويد، وحال البضاعة المعروضة فيه، سواء كانت مسموعة أو مكتوبة،- وأخص منها جيل الشباب - لوجدناها مصابة بتلوث المكتوب قبل المسموع، وغلب على المكتوب تقعيدات ورطانات العاميات المعاصرة، وغلب على المسموع تلوث الأداء وهيمنة العجمى العامية، وهذه اللكنات العامية يجب أن تبرأ منها قراءة القرآن المسموع، وقواعده المسطورة في وقتنا المعاصر.
ولو سأل سائل كيف نشأ علم التجويد؟ وما هو تاريخه؟ وما هو حال مصنفاته الأولى؟
وبالجواب عن هذه الأسئلة، سوف يُكْشَفُ لنا الغطاء عن كثير من القضايا التي ظهرت بعد عصر الاحتجاج، والتي أسسها بعض العلماء المتأخرين، وهناك قواعد دخلت على أبحاث التجويد، عُرفت في أعمال علماء التجويد المتأخرين فحسب، وهذه الأفكار والآراء لم تكن تعرف في أعمال علماء التجويد منذ مراحله الأولى.
وبالسباحة في تاريخ علم التجويد سوف نتعرَّفُ على كثيرٍ من القضايا التي يحتاج معرفتها الباحثون في علوم القرآن. ومن أفضل من كتب في هذا الموضوع الدكتور غانم قدوري الحمد (حفظه الله) ، وسوف أقوم بتلخيص ما بحثه في الآتي:
اعْلَمُ: أنه لم يُعْرفْ مصطلح (التجويد) بمعنى: العلم الذي يُعْنى بدراسة مخارج الحروف وصفاتها، وما ينشأ لها من أحكام عند تركيبها في الكلام المنطوق؛ إلا في حدود القرن الرابع الهجري، كذلك لم يعرف كتاب أُلِّفَ في هذا العلم قبل ذلك القرن، ومعنى هذا أن علم التجويد تأخر في الظهور علمًا مستقلًا بالنسبة إلى كثير من علوم القرآن، وعلوم العربية أكثر من قرنين من الزمان.