الصفحة 18 من 238

التنبيه الثاني: علم القراءات وعلم التجويد, وإن كان كل منهما يرتبط بألفاظ القرآن, فإنهما يختلفان في الموضوع كما يختلفان في المنهج, أما الموضوع: فإن علم التجويد لا يعنى باختلاف الرواة بقدر عنايته بتحقيق اللفظ وتجويده, مما لا اختلاف في أكثره بين القراء الرواة, وأما المنهج: فإن كتب القراءات كتب رواية, وكتب التجويد جزء من علم الرواية؛ لأنها تقعيد لكيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم, ويطلق عليها البعض كتب دراية. ولا يجوز فصل الرِّواية عن الدِّراية, أو الدِّراية عن الرِّواية. ولا يعني ذلك أيضًا حرية القارئ في الاجتهاد في أحكام التجويد، فالدِّراية معناها: (الفهم والتعقُّل للمَرْوِيِّ) ، وليس الخروج عليه، فالقراءات تؤخذ رواية؛ أي: عن طريق الحفظ، وقواعد التجويد تعتمد على الرِّواية والدِّراية معًا؛ أي: على التَّفَهُّمِ للأحكام والمشافهة، وتفسير العلل التي أدَّت إليها [1] . وإلا فقواعده من مدوده وقلقلته وغُنَّاته وأدائه الأصل فيه أنَّ ربَّ العالمين أنزله بالتجويد، كما ذكر ذلك الحافظ ابن الجرزي (ت 833 هـ) بقوله: (لأَنَّهُ بِهِ الإِلَهُ أَنْزَلاَ) .

التنبيه الثالث: أداء قراءة القرآن عبادة، وكيفيَّتُها توقيفيَّة لا مجال معها للاجتهاد أو القياس أو الرأي؛ بل يشترط في كل جزئيةٍ من جزئيات القراءة التواتر، وقد نصَّ الحافظ ابن الجزري (ت 833 هـ) في (منجد المقرئين) على تواتر الأداء من المدِّ والإمالة والإدغام وسائر قواعد التجويد [2] .

التنبيه الرابع: اعلم: أن الوحي هو المصدر الوحيد للقراءات والتجويد، ويعتبر هو الأساس الذي يعتمد عليه في ثبوت أصول القراءات والتَّجويد, وما قواعد التَّجويد إلا جزء من علم القراءات, وقد تقدَّم تصنيف كتب القراءات على كتب

(1) ينظر: بحث (علم القراءة بين الرواية والدراية) منشور في المجلة العراقية للعلوم الإسلامية، العدد الأول بغداد 1423 هـ = 2005 (ص 76 - 100) . بتصرف.

(2) ينظر: منجد المقرئين لابن الجزري (ص 120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت