أما بلاء الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله فإنه وربي أعجب العُجاب حينَ امتُحن المِحنةَ العَظيمة المشهورة، على أن يقول إن القرآن مخلوق وليس كلام الله، فأبى، فأوذي وعُزر، حتى إنه يُجر بالبغلة بالأسواق -إمامُ أهل السنة- يُجر بالبغلة بالأسواق ويُضرب بالسَوط حتى يُغش عليه!!، ولكنه كلما أفاق قال: القرآن كلام ربي غير مَخلوق، ثبات عظيم في سبيل الله.
وقد ابتلي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأنواع البلايا، فحصل له ما حصل من علماء زمانه، وكان منشأ ذلك الهوى والحسد فحبس رحمه الله وطعن في دينه، فثبت رحمه الله ثبات عظيم وكان في هذه المدة مكبًا على التلاوة والعبادة والتهجد حتى أتاه اليقين وهو محبوس في السجن مظلوم، فرحم الله شيخ الاسلام رحمة واسعة.
صَبَرت على الأحكامِ طوعًا وطاعةً ... وذُقْتَ مِن الآلامِ طعمَ البليةِ
وكنتَ حمولًا للنوائب كلُها ... صبورًا على الأقدارِ في دار غربةِ
لقد عِشْتَ محبوبًا ومِتَّ مكرمًا ... عليكَ مِن الرحمن أزْكَى تَحيةِ
وابتلي الشيخ الإمام محمد ابن عبد الوهاب بأنه خارجي وأنه تكفيري وما كان إلا سني سلفي على منهج النبي النقي.
وهاجر شيخنا المقدسي، وسجن وعذب، ومنع وهدد، وضيق عليه في رزقه، وطعن في دينه، وانتقص من شخصه، وفقد ولده فلذة كبده، وتطاول عليه السفهاء.
فثبت ثبات الجبال الراسيات، فلم يبدل ولم يغير ولم يتزحزح وكان ولازال شوكة في عيون الطغاة وأنصارهم، أسال الله أن يثبتنا وإياه.
هؤلاء العلماء الأتقياء ثبتوا رحمهم الله أمام ظلم الظالمين، وعلموا الأجيال حقيقة الثبات في سبيل رب العالمين، علموهم أن ثباتَ المسلمِ على مَبدئهِ، هو انتصار باهر، وفوز ساحق، حيث يعلو على الشهوات والشبهات، ويجتاز العقبات بشجاعة وثبات، بل إنه لا يمكن أن يتحقق الانتصار الظاهر إلا بعد تحقق هذا الانتصار.
فها همُ الأنبياءُ والعلماءُ يُبتلونَ وهم صفوة البشرِ على الإطلاقِ، فلماذا يفزع أحدنا إذا أَصابهُ ابتلاءٌ أو أصابته فتنة؟! وربما يخسرُ الدنيا والآخرة، قال الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11] .