فقد قرر بعض الباحثين أن القانون المصري القديم عرف معنى الوقف على الأسرة ، فقد وجد فيه صورة عقد هبة من شخص لابنه الأكبر وأمره بصرف الغلات لإخوته على أن تكون الأعيان غير قابلة للتصرف فيها .
وهذا هو حقيقة الوقف في الإسلام (1) [72] ) .
وكذلك كان للرومان مثل هذه التصرفات، كما كان لليهود ما يشبه ذلك (2) [73] ) .
بعد هذا العرض السريع لبعض حالات الوقف قبل الإسلام نعود لمناقشة الأثر المروي عن الإمام الشافعي في تخصيصه الوقف بالإسلام ، ففي الحقيقة أنني لم أستطع أن أفسر ما نقل عن الشافعي إلا بأنه - رحمه اللَّه - لم يطلع على حالات الأوقاف قبل الإسلام ، وإن كان بعض العلماء - رحمهم اللَّه - حاولوا أن يجدوا مبررًا لقول الشافعي إلا أن هذه المبررات ضعيفة جدًا يعارضها الواقع.
فمثلًا قال أبو الضياء: قوله:"لم تعرفه الجاهلية": لعل المراد بهم هنا من لم يتمسك بكتاب كعبدة الأوثان (3) [74] ) .
وهذا القول مندفع بما ذكرناه من الأوقاف المرصودة على الأصنام والمعابد والمقابر .
وقال الدسوقي:"ولا يرد على الشافعي بناء قريش الكعبة وحفر بئر زمزم، لأنه لم يكن تبررًا بل فخرًا" (4) [75] ) .
المبحث الأول: الوقف على العلم وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: شرعيته
الوقف على العلم، وما يتعلق به من إنشاء المدارس ، والمعاهد ، والجامعات، والمكتبات، وصرف الرواتب على الطلبة والمعلمين مما لا خلاف فيه بين المسلمين.
(1) 72]) …انظر: محاضرات في الوقف ، لأبي زهرة ص6.
(2) 73]) …انظر: الوقف والوصايا ، للخطيب ص40.
(3) 74]) …حاشية أبي الضياء على نهاية المحتاج 5/359 .
(4) 75]) …حاشية الدسوقي 4/75 .