وقبل أن نقف مع كلام الإمام الشافعي - رحمه اللَّه تعالى - لابد من الرجوع إلى تأريخ الأمم قبل الإسلام لنقف على مدى معرفتهم لفكرة الوقف.
فالوقف هو"حبس الأصل وتسبيل المنفعة"، والأمم عرفت فكرة الوقف بهذا المعنى - على اختلاف اتجاهاتهم في تحديد مفهوم التسبيل - منذ أمد بعيد- وإن كان لايسمى بهذا الاسم الذي عرف به في الإسلام - ، وذلك لأن المعابد كانت قائمة ثابتة وما رصد عليها من عقار ينفق من غلاته على القائمين على هذه المعابد كان قائمًا ثابتًا ، ولا يمكن تصور هذا إلا على أنه في معنى الوقف، أو هو على التحقيق وقف (1) [63] ) .
فعلى سبيل المثال في تأريخ مصر القديم ما يدل على أن مساحات كبيرة من الأرض كانت ترصد على ما زعموه من الآلهة والمعابد والمقابر ، وتكون غير قابلة للتصرف التمليكي من بيع أو هبة أو وصية ، أما غلاتها فتصرف على إصلاحها وإقامة الشعائر الدينية والإنفاق على القائمين بخدمتها (2) [64] ) .
كذلك حبس"بنوت"- وهو أحد حكام بلاد النوبة في عهد"رمسيس"الرابع - كما دلت الآثار المصرية أرضًا له ؛ ليشترى بريعها كل سنة عجلًا يذبح على روحه .
وفي تأريخ اليونان دلت آثارهم على أن امرأة اسمها"أريتي"وقفت حديقتها على مدينة"أوجوستينس"لتقام فيها شعائر دينية، وأن قائدا يونانيا اسمه"نسياس"وقف أرضا له لإقامة الشعائر للإله"أبولون"- كما يزعمون" (3) [65] ) ."
(1) 63]) …ينظر: محاضرات في الوقف ، لمحمد أبو زهرة ص5.
(2) 64]) …ينظر: تيسير الوقف على غوامض أحكام الوقوف للمناوي خ/3ب ، أحكام الوقف للكبسي 1/23.
(3) 65]) …ينظر: المصدر السابق .