وحسبك اليوم نفسك عليك حاسبًا تحسب عليك أعمالك، فتحصيها، لا نبتغي عليك شاهدًا غيرها ولا نطلب محصيًا سواه، وتلا الحسن البصري قوله تعالى: {عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك؛ فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسنات، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابًا تلقاه منشورًا {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك.
وقوله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واستقام واقتفى أثر النبوة، ففعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فإنما تحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه.
ومن ضل عن الحق وزاغ في سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه وإنما يعود وبال ذلك عليه؛ لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة الوخية، فيخلد في النار، وهذه الآية كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} ، وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .
وقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، كما في قوله تعالى في «سورة فاطر» : {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} .
ولا منافاة ولا تناقض بين هذه وبين قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} ، وقوله ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزوار الذين يضلونهم بغير علم، وقوله تعالى: مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ