الصفحة 576 من 1034

فمواعظه أعظم المواعظ وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف لا انتقاض فيه، ولا اختلاف ولا صعوبة، ولا اعتساف يصلح لكل زمان ومكان ويليق لكل أحد.

وقوله: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي وهذه الأمثال التي أودعناها القرآن وذكرناها في مواضعها التي ضربت لأجلها واقتضاها الحال من نحو قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} .

وقوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} ، وقوله: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى} الآية، جعلناها تبصرة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} .

فمن الناس من وفقه الله فاهتدى بها إلى سواء السبيل، وفاز بما يرضي ربه عنه وفاز بجنة عرضها السموات والأرض ومنهم من أعرض عنها وأبعد {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} وأدخله سقر {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ} .

وقد ثبت في الحديث المتواتر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عمل له المنبر وقد كان يوم الجمعة يخطب يقف إلى جانب جذع سمع هو ومن بالمسجد حنين الجذع، وهكذا تمضي الآية الكريمة ثم وصف سبحانه نفسه بجليل الصفات التي هي سر العظمة والجلال لخالق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما من مخلوقات، فقال: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} يقول جل ذكره: إن الذي يتصدع الجبل من خشيته هو الإله المعبود الذي لا تنبغي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت