والثاني: تبرؤ من الحول والقوة وتفويض إلى الله عز وجل.
وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} ، وقال تعالى: {رَّبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} وكذا هذه الآية الكريمة.
وقال ابن كثير: وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسب؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى آخر كان أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظًا له كما تقرر في علم المعاني، والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار عن الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد، وقيل: إن المقام لما كان عظيمًا لم يستقل به الواحد استقصارًا لنفسه واستصغارًا لها، فالمجيء بالنون لقصد التواضع، لا لتعظيم النفس، وقدمت العبادة على الاستعانة لكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم.
وعن ابن عباس في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} : يعني إياك نوحد ونخاف يا ربنا لا غيرك، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على طاعتك وعلى أمورنا كلها، والقيام بعبادة الله، والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما، وإنما تكون العبادة عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقصود بها وجه الله، فبهذين الأمرين تكون عبادة.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} والهداية هنا الإرشاد والتوفيق، والمعنى دلنا وأرشدنا وثبتنا، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارقنا أو أعطنا، {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} أي بينا له الخير والشر، وقد تعدى