الصفحة 10 من 1034

فتبين بذلك أنه على كل واحد من الناس أن يتدبر آيات الكتاب بقدر طاقته لا فرق بين عالم وجاهل؛ لأنه أنزله جل وعلا لهداية الخلق، وقال جل وعلا: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} فعليكم أيها الإخوان، أن تلقوا أسماعكم إلى تفسيرها، وإليكم أول آية منها:

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} : المشروع ذكر الله تبركًا واستعانة وتيمنًا، والمتعلق بالباء في {بِسْمِ اللَّهِ} مقدر إما بفعل وإما باسم، فأما من قدره باسم تقديره باسم الله ابتدائي؛ فلقوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، ومن قدره بالفعل أمرًا أو خبرًا، نحو: أبدأ بسم الله، أو ابتدأت باسم الله؛ فلقوله: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ، {اللَّهِ} : هو المألوه المعبود المستحق لإفراده بالعبادة؛ لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} : اسمان دالان على أنه ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء وعمت كل حي، والرحيم: رحمة خاصة بالمؤمنين كتبها للمتقين المتبعين لأنبياءه ورسله، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} الآيتين، وقال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} .

قال ابن جرير: معنى الحمد لله: الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العد ولا يحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت