فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 22

وعندما منع الله موسى أن يرضع من المرضعات: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِع .. ) (القصص: من الآية 12) .. عندئذٍ تدخلت الأخت في الظرف المناسب والوقت المناسب: ( .. فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) ؟! .. (القصص: من الآية 12) .. يقول ابن عباس: (لما قالت أخته: وهم له ناصحون، أي: مشفِقون، شكّوا في أمرها وقالوا: وما يدريكِ بنصحهم وشفقتهم عليه؟! .. فقالت: لرغبتهم في سرور الملك! .. فأطلقوها) ! ..

وهكذا فابن الدعوة الإسلامية حصيف ذكي، يعرف كيف يتصرف في كل المواقف، ويعرف كيف يخرج من المآزق بكل دهاءٍ وحنكةٍ .. كما فعلت أخت موسى عليه السلام! ..

وكان تأييد الله عز وجل حاضرًا بأبهى صوره وأبلغ آثاره: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (القصص:13) .. فلما قَبِلَ موسى ثديها، أحسنت إليها امرأة فرعون وأَجْرَتْ عليها النفقة والكساوي -كما قال ابن عباس- .. فكانت تُرضع ولدها وتأخذ عليه الأجر من عدوّه! ..

إنه تدبير الحكيم العليم الذي ينصر عباده الصالحين، ويؤيّد المجاهدين العاملين في سبيله إلى يوم الدين بعد اتخاذهم أسباب القوّة والمنعة المعنوية والمادية! ..

ويستمر السير في طريق الدعوة، ويستمر -نتيجة ذلك- تأييد الله عزّ وجلّ للمؤمنين الصادقين، فيكبر موسى عليه السلام، ويترعرع، ويشتدّ عوده، ويقوى .. أين كل ذلك؟! .. في ظل عدوّه الطاغية: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص:14) .

ولما عرف موسى الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون من عبادة غير الله عزّ وجلّ، ففشى أمره بين القوم، فأخافوه، فخاف منهم .. وهذا ما أدى إلى اتّباعه أسلوبًا أمنيًا صرفًا في التعامل مع الباطل وأهله ليحمي نفسه ويحمي دعوته: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا .. ) (القصص: من الآية 15) .. أي أنه عليه السلام كان يدخل مدينة مصر الكبرى مستخفيًا: (عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ) -كما قال المفسّرون- .. فانظر إلى هذا التعبير القرآني العميق! .. وانظر إلى ذلك الأسلوب الأمنيّ الدقيق، الذي اتّبعه نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه! ..

ويُمتَحن عليه السلام امتحانًا آخر، فيقتل رجلًا من قوم فرعون بلا قصدٍ، وتشتدّ المحنة .. ويلجأ موسى إلى ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت