موسى عليه السلام: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (القصص:43) .
لقد بدأ الصراع بوجهٍ أمنيٍ واضح، حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلّمنا منه دروسًا أمنيةً بالغة الدقّة والدلالة: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7) .. فالله عزّ وجلّ أراد أن يكون موسى عليه السلام حامل لواء الحق، وزعيم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فَحَمَاه منذ الولادة بأسلوبٍ أمنيٍ نفّذته أم موسى، بعد أن ألهمها الله أن تفعل ما تفعل لحماية وليدها الحاليّ، وزعيم الدعوة الربانية في المستقبل! .. وكانت كيفية الحماية لا تخلو من الدقّة والمخاطرة في نفس الوقت: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه:39) ..
والله جلّ وعلا الذي ألهم أم موسى تنفيذ الشق الأول من خطة الحماية .. سخّر امرأة فرعون لتنفيذ الشق الآخر من هذه الخطة: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص:9) .
وكان من تدبير الله عز وجل وعظيم حكمته، أن يُرَبّى موسى عليه السلام في حِجْر فرعون، فكان هلاكه وزوال طغيانه على يديه عليه الصلاة والسلام! .. ولعلّنا نلمس كم يحتاج تنفيذ هذه الخطة الأمنية الدقيقة إلى الصبر والحنكة والحكمة والسرّية والحسّ الأمني المرهف .. أليست هي الخطة التي بموجبها تنبت بذرة الحق في أرض الباطل وتربته؟! ..
وتستمر الخطة الأمنية الرائعة، فترسل أم موسى ابنتها لتكون عَينًا ترصد تصرفات فرعون وأسرته، وتَتّبِع أثر أخيها موسى وتتقصّى أخباره: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ .. ) (القصص: من الآية 11) .. فماذا فعلت أخت موسى عليه الصلاة والسلام؟! .. هل تصرّفت بما يلفت الانتباه إليها وإلى خطّتها ومبتغاها؟! ..
( .. فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (القصص: من الآية 11) .. نعم، فقد احتالت على الظرف المحيط، فاستطاعت رؤية أخيها بمخاتلةٍ ذكيةٍ من غير أن يشعر بها أحد من الأعداء أو أن يشعر أحد من الظالمين أنها أخت موسى، وأنها تقوم بالاستطلاع ورصد أخباره بكل دقة! ..