فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 22

(القصص:16) .. ثم يتخذ ما يجب عليه من أسباب الحماية والحذر، ويخبره أحد المتعاونين معه من المخلصين له، بسرٍّ خطير، هو تآمر القوم لقتله: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَاتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص:20) .. وما كان منه عليه السلام إلا أن امتثل لما يقتضيه الظرف من حوله، بهدف حماية نفسه، وحماية دعوته إلى الله عزّ وجلّ: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:21) .

لعلّنا نلاحظ روعة التعبير القرآني، عن حالة الهارب المهاجر في سبيل الله، الذي يَحْذَرُ العدوَّ ويتيقّظ له: ( .. خَائِفًا يَتَرَقَّبُ .. ) ، ومن ثم الاتكال على الله سبحانه وتعالى، فهو وحده الحامي، والملاذ الآمن: قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .. )! ..

وتستمر الدعوة إلى الله عز وجل، بحمايته سبحانه وتأييده، ويعود موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه بعد سنين طويلة، يحمل الدعوة في قلبه ويبشّر بها بلسانه، ويفديها بروحه، ويرفع لواءها بشجاعةٍ لا مثيل لها .. ويعود الصراع مع الباطل إلى ذروته، وينوي الطاغية فرعون قتل موسى عليه السلام، وهو شأن كل الطواغيت الذين يفلسون من كل حجّةٍ وبرهان، ولا يجدون إلا البطش وسيلةً لإسكات صوت الحق: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26) .

ويُظهِر لنا القرآن الكريم الوجه الأمني للصراع بكل وضوح: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ .. ) (غافر: من الآية 28) .. ثم يقول الرجل المؤمن عن موسى عليه السلام: ( .. وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: من الآية 28) .. ولعلّنا نلاحظ التعبير القرآني الدقيق في الدلالة على الحالة الأمنية في الصراع: ( .. يَكْتُمُ إِيمَانَهُ .. ) ، فالرجل المؤمن بالله عز وجل وبدعوة نبيّه موسى عليه السلام .. في الحقيقة، هو من مؤيدي فرعون في الظاهر وحسب: ( .. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ .. ) ! .. هذا الرجل الذي يخفي إيمانه، يخترق القوم ويعلم بكل ما يدور بينهم، ثم يعمل على تخذيلهم عن موسى عليه السلام، وعن أنصار الحق، وبأسلوبٍ أمنيٍ بارعٍ لا يتقنه إلا أصحاب القضية المنافحون عنها، الذين يبذلون ما يستطيعون من طاقاتهم في سبيل حماية دعوتهم، هذه الحماية التي تكفل الاستمرار في السير على الطريق الشاقة، لبلوغ الهدف الكبير! ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت