لقد قرر أمرًا في نفسه! .. وأراد أن يكايد القوم في أصنامهم، وكانوا يخرجون جميعًا في يوم عيدٍ بعيدًا عن تلك الأصنام، ونوى إبراهيم عليه السلام التخلف عن الخروج مع قومه إلى ذلك العيد، لأنه دبّر أمرًا في نفسه! .. فتظاهر بالمرض: (فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) (الصافات:89 و90) ، فتركوه وحيدًا وذهبوا، وتلك كانت الخطوة الأولى في الخطة .. الخطة المضمرة التي أخفاها في نفسه: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) (الأنبياء:57) ! ..
نعم لقد احتفظ بالسرّ في نفسه ولم يبح به لأحدٍ من العالمين، ثم تحوّل إلى أصنامهم، وعمل فيها تحطيمًا وتكسيرًا إلا كبيرهم! .. الذي أبقاه سليمًا لتكتمل أركان الخطة:
(فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) (الأنبياء:58) .. وهكذا فقد اختار عليه السلام الوقت المناسب بدقّة، واتّخذ لنفسه الغطاء المناسب الذي يبرّر تخلّفه عن قومه بتظاهره بالسقم، ثم نفّذ ما يريد بذكاءٍ ودهاء، وترك كبير الأصنام سليمًا، وهذا ما أظهره القرآن الكريم بوضوحٍ، حيث بيّن السبب الحقيقي لتصرّفه ذلك: (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) (الأنبياء:62 و63) .. فأسقِط في أيدي القوم أمام هذه الهزّة العنيفة، التي كانت ثمرةً لعملٍ نُفِّذَ بأسلوبٍ أمنيٍ كامل! .. وهيهات .. هيهات أن ينطق الحجر! ..
ثم يتدخل عليه السلام، لاستثمار تلك الصدمة التي واجه بها عقول القوم: (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء:66 و67) .
بهذا تعاضد الدهاء الأمني مع حنكة التعامل مع العقل البشري، لتحقيق الهدف، وهو إقناع القوم بالحجّة والبرهان، بأن ما يعبدون من دون الله أضعف من أن يكونوا آلهةً لهم، وأنّ مَن خَلقهم وخَلق هذه الآلهة المزعومة هو الله عز وجل، فهو وحده الذي يستحق العبادة! .. فهي دعوة للإيمان بالله وحده لا شريك له! ..
هل كان يمكن لإبراهيم عليه السلام أن يفعل ما فعل، من غير خطة حمايةٍ كاملةٍ لنفسه، وهو الرجل الوحيد الذي يواجه أمّةً كافرة؟! .. وعندما واجه قومه وكُشِف سرّه ماذا كانت النتيجة؟! ..
(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (الأنبياء:68) .