نلاحظ أن السبب الذي دعاه إلى إخفاء سرّه عن إخوته، هو نفس السبب الذي دعاه إلى البوح بهذا السرّ إلى أخيه (بنيامين) : إنها الرغبة في الاستمرار بامتلاك زمام المبادرة بخطةٍ (أمنيةٍ) محكمةٍ .. وتقتضي الخطة أن يُتهم الأخ (بنيامين) بتهمة السرقة لكي يبقى مع أخيه، ويخطط يوسف عليه السلام لتحقيق ذلك:
(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (يوسف:70) .. ثم يبدأ التنفيذ المحكم للخطة، فيبدأ التفتيش بأوعية الإخوة على الرغم من تيقّنه أن (السقاية) في وعاء أخيه الصغير، دَفعًا للتهمة وسَترًا لما دبّره من الحيلة لتحقيق هدفه: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف:76) .. ولم يُستَفَزّ يوسف عليه السلام عندما سمع كلامًا من الإخوة يسيء إلى سمعته وشرفه، لأنّ أمام عينيه هدفًا لا بدّ من بلوغه، ولم يحن الوقت للكشف عن نفسه وسرّه، وهو إن فعل، فسيجهض خطته بيديه، ويحبط كل ما عمل وخطط له:
(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) (يوسف: من الآية 77) .
لم يهزّه هذا الافتراء الظالم، ولم يخرجه عن طوره، ولم يفقده صوابه، فماذا فعل؟! ..
( .. فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف: من الآية 77) .. لكن عندما حان الوقت لكشف السرّ وتحقيق الهدف، لم يتردّد يوسف عليه السلام -بعد استنفاد كل أركان خطته- في الكشف عن نفسه وكشف سرّه، وقد كان هذا الكشف جزءًا من الخطة، وحلقةً مكمّلةً لها، لبلوغ الهدف:
(قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) (يوسف:89) .. عندئذٍ اكتشفوا السرّ:
(قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90) .. وتحقّق الهدف بإذن الله وعونه وقدرته أولًا، وبالخطة (الأمنية) المحكمة التي وضعها يوسف عليه السلام، ثم نفذها بإحكامٍ ودهاء! ..
وكان من ثمرات ذلك الدهاء الأمنيّ .. أن جمع الله الشمل، واجتمعت الأسرة من جديد، وتاب الإخوة -الأعداء- إلى الله عز وجل: