الصفحة 17 من 33

فإن قيل: فالجهاد والحسبة من باب واحد وهو لا يخلو من خوف الأذى و المكروه ، وأين آيات الابتلاء والصبر نحو قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (2) سورة العنكبوت الأية وغيرها .

الجواب: أن المسلمين في الجهاد لا يغلب على ظنهم الانهزام كما لا يغلب على ظن إنسان بعينه حصول القتل أو الجرح له بل هو مظنون في الجملة أما بالنسبة لشخص بعينه فهو محتمل وممكن .

وقد سبق أنه لا عبرة بالإمكان والاحتمال ، وأما عند غلبة الظن بحصول الهزيمة والقتل للمسلمين لكونهم أقل من نصف عددهم فقد رخص الشرع لهم في الانصراف ، والخلاف في استحباب الثبات أو الانصراف إن كان في الثبات نكاية للعدو ، أما إذا كان القتال فيه هزيمة المسلمين من غير نكاية وجب الإنصراف وحرم القتال إجماعًا نقله ابن جزى عن إمام الحرمين بلا خلاف ، وذكر مثله النووى في الروضة ج 10 ، بل يكون الواجب عند ذلك تحريز المؤمنين استمرارًا للدعوة وحفظًا للدين ، أما الصبر الواجب على الأذى فهو عند الأذى لا يعتبر عذرًا في الإكراه ، أما الأذى فسيأتى تفصيله إن شاء الله .

فإن قيل: فالأذى الواقع على البعض منكر خاص والمنكرات العامة منكر عام والموازنة تقتضى دفع الضرر العام بتحمل الضرر الخاص ؟

والجواب: إن هذا تطبيق للقواعد في غير موضعها وإهمال لكلام أهل العلم الذي سبق في أمر الموازنة إذ جعلوا الأذى الحاصل للمحتسب أو غيره منكرًا يقدم دفعه على دفع المنكر الأصلي _ وهذا لأن المنكر إنما يضر من فعله مختارًا ومن رضي به _ ولا يضر من كرهه وأباه ممن عجز عن تغييره و أما إيذاء المسلمين الأبرياء الذين لا ذنب لهم فهو ضرر محض لمن لا يستحقه .

قال ابن رجب -رحمه الله-: (1) ولعمري إن أيام عبد الملك والحجاج والوليد وأضرابهم (2) كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول و اليد لتعذر ذلك والخوف على النفس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت