هذا القسمُ من أكثرِ الأقسام انتشارًا بين المنتسبين إلى العلم و المعارف ، و ما أكثرَ زلَلَهُم في هذا المحلِّ ، و ما أشدَّ استغفالهم لأنفسهم و لغيرهم .
و المُتَبَصِّرُ في أحوالِ القوم المعرفيين يرى ظهورَ ذلك بينًا واضحًا ، فليس بالخافي الغائب ، يأتي أنبلهم فيلقي ما في جعبتهِ من معرفةٍ بين أقوام سلبهم منه حُسْنُ لفظه ، و جمالُ طرْحه ، و في التحقيق ليس بمن يُحفَلُ به ، و لا ممن يُفرَحُ بطرحه ، و لكن استخفاف القوم سبيلُ طاعة .
و ( الأمانة العلميةُ ) في الطرحِ تُفْتَقَدُ في محلَّيْن:
المحلُّ الأول: التأهل .
و أعني به: كون الطارحِ متأهلًا لأن يكون موضعًا لأخذ العلم عنه . و التأهلُ نوعان:
أولهما: تأهُّلُ تعليمٍ .
و يُرادُ به كونُ الرجلِ متأهلًا لأن يكون طارحًا للعلم بين مستحقيه ، و هذه الأهليةُ جهتان:
الأولى: أهليةُ علمٍ ، بأن يكون على علمٍ بما يطرحهُ مشهودًا له فيه ، متقنًا لمسائلِه ، قال ابنُ جماعة _ رحمه الله _"التذكرة" ( 169_170 ) : بل يعتمدُ في كلِّ فنٍّ مَنْ هو أحسنُ تعليمًا له ، و أكثرُ تحقيقًا فيه و تحصيلًا منه ، و أخبرهم بالكتاب الذي قرأه . أ.هـ.
و المُشاهَدُ الآن في أحوال المتصدرين للتعلم تراهم لم يُتقِنوا أصولَ الفنِّ الذي يُدرِّسُونه ، فضلًا عن التحقيق في الفن ذاته ، بل ربما لم يَفْقَه المتن و لم يفهمه ، و غايةُ جَهدِه أن جعلَ في ضمائمِ مؤهلاته ورقةً يفخَرُ بها بغير حقٍّ و أدب .
و ما صنيعُ هؤلاء إلا خِيانةً للعلم و أهله ، و غُرورًا بمجموع ذهنه .
الثانية: أهليةُ سِنٍّ ، أخذَ أهل العلم بأن التعليم لا يكون إلا في بلوغِ سِنٍّ مُعَينةٍ إذا بلغها الرجل تصدَّرَ للتعليم ، و لهم في ذلك إعلالٌ ، و حاصلُه علتان:
أولاهما: عدمُ النُّضْج ، حيث لا يكون تمام العقل إلا في الأربعين حيثُ سنُّ الأشدِّ .