فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 61

وفي رواية لأبي داود لا تشهديني على جور- ظلم- إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما لك عليهم من الحق أن يبروك [1] .

ومن هنا يظهر أن العدل المادي مطلوب من الوالدين نحو أولادهما، والنفس تميل إلى وجوب ذلك لا إلى استحبابه كما رأى بعض الفقهاء، إلا لعذر مشروع، كأن يعطي البار المنفق على والديه الكبيرين شيء خاص في حياة والديه، كفاء مع ما قدم من جهد، وبر، ونفقة، أو يخصص لذي العاهة شيء يساعده على أعباء الحياة.

والعاقل من أحسن التصرف فأرضى الجميع.

وفي الحديث الشريف: (( رحم الله والد أعان ولده على بره ) ) [2] .

(( أعينوا أولادكم على بركم، من شاء استخرج العقوق من ولده ) ) [3] .

أي: يحسن بره، وعدله، ولطفه، ورحمته، ومساواته للجميع في العطاء، والمعاملة الحسنة.

ومن طريف ما قرأت في كتب الأدب والتراجم:

أن والدًا زوج ولده في سن العشرين، وقال له: لا تقل لأخيك أنني دفعت لك نفقات الزواج، فإنني لا أريد أن أزوجه الآن.

وكان أخوه أصغر منه بسنتين، فعلم بالأمر، فكتب لأبيه رسالة صغيرة قصيرة، فيها شعر بليغ مؤثر يقول فيه:

ليس لي بعد إلهي مشتكي إلا إليك

وأخي في الفضل مثلي وكلانا في يديك

لا تفضله علي بالحا في ناظريك

إن منحته العين كحلًا هاجت الأخرى عليك

إنما إبناك كعيـ ـنيك فكحل مقلتيك

فضحك الوالد، وسر من أدب ولده وزوجه كأخيه وعدل بينهما.

كما قرأت أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فقد أخاه في حروب الردة، حيث مات شهيدًا، ثم أسلم قال أخيه بعد ذلك فكان عمر يقول له:

غيب عني وجهك؛ لئلا يتذكر أخاه الشهيد؛ الذي كان يحبه كثيرًا.

فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين هل يمنعني بغضك لي حقي كفرد في هذه الأمة؟

قال: لا، فحقوقك مصونة تصلك كاملة.

(1) رواه أبو داود في البيوع والإجازات (3545)

(2) رواه أبو الشيخ في الثواب عن علي، كما في كنز العمال (45417)

(3) رواه الطبراني في الأوسط، كما في كنز العمال (45419)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت