الصفحة 9 من 16

وبلغ اهتمام العرب بالدراسات السيميائية مبلغًا، خصّوا فيه الحقول الدلالية بعلامات معينة، تعرف بها، ويتواصل عبرها. من أبرزها ميدان الحب، الذي أجملوا علاماته، بعدما كانت أشتاتًا متفرقات، تنقل على كل شفة ولسان. عقد ابن قيم الجوزية بابًا أسماه (( في علامات المحبة وشواهدها ) )، يستدل بها عليها، منها: إدمان النظر إلى الشيء وإقبال العين عليه، وإغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرْفِهِ نحو الأرض، وذلك من مهابته له، وحياؤه منه وعظمته في صدره، ومها أيضًا كثرة ذِكْر المحبوب واللهج بذكره وحديثه، والانقياد لأمر المحبوب وإيثارُهُ على مراد المحب، وقلة صبر المحبّ عن المحبوب، والإقبال على حديثه وإلقاء سمعه كلِّه إليه ( [xxiii] ) .. وهي علامات نفذ فيها ابن قيم الجوزية إلى أعماق النفس، واستخرج دفائنها وأتى بكنوزها وكشف عن خفاياها كأعظم ما يأتيه المحلل النفسي اليوم، يشهد له حديثه في أحد العلامات، قال: .. ومنها البَهَتُ والروعة التي تحصل عند مواجهة الحبيب ( [xxiv] ) أو عند سماع ذكره، ولا سيما إذا رآه فجأةً أو طلع بغتةً، كما يقول الشاعر: [من الطويل]

فَمَا هُوَ إِلاَّ أنْ أرَاهَا فُجَاءَةً

فَأَبْهَتُ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ

فَأَرْجِعُ عَنْ رَأْيي الّذِي كانَ أوَلًا

وأَذْكُر مَا أعْدَدْتُ حِينَ تغيبُ

وربما اضطرب عند سماع اسمه فجأةً.. وقد اخْتُلِفَ في سبب هذه الرَّوْعَة والفزع والاضطراب، قيل: سببه أن للمحبوب سلطانًا على قلب محبه أعظم من سلطان الرعيَّة، فإذا رآه فجأةً راعه ذلك ما يرتاع مَنْ يرى مَنْ يُعَظِّمُهُ فجأة، فإن القلب معظِّمٌ لمحبوبه خاضع له، والشخص إذا فجِئه المعظَّم عنده راعه ذلك. وقيل: سببه انفراج القلب له، ومبادرته إلى تلقِّيه فيهرب الدم منه فيبرد ويرعد ويحدث الاصفرار والرِّعدة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت