الصفحة 10 من 16

واتسعت ملاحظات علماء العربية لتشمل ميادين أخرى، منها معرفة الكاذب من المنافق بعلامات، كنبرة الصوت، وإيقاع كلامه، يؤازره قوله جلّ اسمه: {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ} [محمد:30] . وفيه دلالة بليغة، تحمل العلامة (( سيماهم ) )وآلتها (( لحن القول ) ). واختلاف النغمات والأصوات تبعًا لاختلاف المقاصد والأغراض مبدأ معروف عند علماء العربية. أشار الأصفهاني إليه بقوله:

(( .. فاختلاف الألسنة إشارة إلى اختلاف اللغات وإلى اختلاف النَّغَمات، فإنّ لكل إنسان نغمة مخصوصة يميّزها السَّمْع كما أن له صورة مخصوصة يميّزها البصر ) ) ( [xxv] ) .

حكت المظاهر المتقدمة، معرفة علماء العربية بعِلْم العلامات (السيمياء) ، ووضع أصوله، واعتماده في سلوكهم التعبيري. ولا أدل على حذقهم له، وسبقهم إليه من ركيزة واحدة تتمثل في استعمال مصطلحاته، وهي:

1- (( السيمياء ) )بمعناه اللغوي المقابل (( للعلامات ) )مصطلح عربي، استعمل في الميدان اللغوي المتداول اليوم، يشهد له قول الراغب الأصفهاني (ت 502هـ/1108م) في أثناء تفسيره الآية الكريمة: {وَمِنْهُ شجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل:10] ، قال: .. والسِّيماء والسِّيمياءُ العلامة، قال الشاعر: [من الطويل]

لَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ ( [xxvi] )

2-اللسانية (Linguistic) أو الألسنية بحسب المترجمين، مصطلح عربي معروف في حقل الدراسات اللغوية، كما هو معروف اليوم. من شواهد استعماله ما أورده القرطبي (ت 671/11273م) في تفسيره، قال: سمّى الرسول r الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سِحْرًا. وفي الموضع نفسه، قال في معرض تفسيره حديث الرسول r (( إن من البيان لسِحْرًا ) ): فالرجل يكون عليه الحق وهو ألْحَنُ بالحجج من صاحب الحق فيَسْحَر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللِّسانة ما لم يخرج إلى حدّ الإسهاب والإطناب ( [xxvii] ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت