الصفحة 6 من 16

ومن الممارسة العملية-الطبيعية، إلى رحاب الدراسات الجادة المنهجية، تطل دراسة الجاحظ (ت 255هـ/869م) التي تعتبر بحقّ بحثًا سيميائيًا أصيلًا. قال في باب البيان: (( والبيان اسمٌ جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يُفْضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنًا ما كان ذلك البيان، ومن أيَّ جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إنما هو الفَهْم والإفهام، فبأي شيء بلغتَ الأفهامَ وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع ) ) ( [xii] ) . ولما كان الهدف عند الجاحظ (( إنما هو الفهم والإفهام ) )، وهو يحتاج إلى علامات تنقله (( فبأي شيء بلِّغْتَ الأفهام وأوضحت عن المعنى ) )، برزت عنده العلامات التي تنقل المعنى. وهي تدور ما بين لفظ وغير لفظ، قال الجاحظ معددًا العلامات والإشارات التي تدل على المعاني: (( وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ ثم الإشارة، ثم العَقْد ثم الخط ثم الحال التي تسمى نِصْبةً ) ) ( [xiii] ) .

وتحقيقًا لعلم العلامات، راح يفصل الإشارات التي تنقل المعاني المختلفة، ويشرح كيفيتها، وتطورها مستجيبة للدواعي الحضارية. فالإشارة تكون باليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب، أما إذا تباعد الشخصان فبالثوب وبالسيف. وتختلف دلالات إشارة السيف، فقد يتهدد رافع السيف والسَّوط؛ فيكون زاجرًا ومانعًا رادعًا، ويكون وعيدًا وتحذيرًا. ويحدد الجاحظ المواقف الاجتماعية التي تستدعي التعبير بها، على نحو قوله: وفي الإشارة بالطَّرْف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفق كبير ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض ويُخْفونها من الجليس وغير الجليس. ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص ( [xiv] ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت