يقيس هؤلاء على أصحاب السليقة اللغوية وعلى من لهم طبع في موسيقى الشعر وأوزانه، مما قد يوحي بقدرة فطرية لا مكتسبة. وحقيقة الأمر أن هذا الحس الأدبي في مذهب ابن سنان يكتسبه صاحبه بالدربة والتعلّم، فهو"إنما حصل له ذلك بالمخالطة والمناشدة وتأمّل الأشعار الكثيرة والكلام المؤلّف على طول الوقت وتراخي الأزمنة" (ص96) . وجدير بالملاحظة ههنا أن ابن سنان -فيما يبدو- يختار ألفاظه بعناية في هذا السياق؛ ففي حين أنه يكرّر الحديث عن المُعرِب"طبعًا"ومن له"ذوق"في موسيقى الشعر، فإنه حريص على الإشارة إلى"العالم بالفصاحة"، و"من له بها معرفة وسابق علم"، أو"له بها دربة" [1] ، وكلّها عبارات تدلّ على علم حادث مستأنف لا على صفة فطرية متأصّلة.
هب الحس الأدبي هذا ذوقًا فطريًا، فإن المطلوب من علم الفصاحة عندئذٍ أن يقدّم لمن لديه ذلك الحس معرفة نظرية اصطلاحية لا أن يوجد الحس نفسه، وهذه المعرفة يمكن تحصيلها كسائر العلوم والمعارف، وبذلك يظلّ تعليم صناعة النقد بالقدر الذي يحتاج إليه هذا الصنف من المتعلمين أمرًا ممكنًا ومجديًا، حتى لو كان هذا الحس الأدبي عائدًا إلى الفطرة والطبيعة، وهو عند ابن سنان ليس كذلك. النقد عنده صناعة يتقنها المرء بمعرفته صفات الجودة والرداءة في الكلام، ويأتي ذلك بالخبرة والممارسة، أو بالوقوف على مبادئ علم الفصاحة، أو بهما معًا. فإذا قسنا الأمر على صناعة النجارة مثلًا، كما يفعل ابن سنان وغيره [2] ، قلنا: قد يتعلّم الفتى النجارة بالممارسة وملازمة أهلها، وقد يتعلمها في مدرسة مهنية، وقد يجمع بين الأمرين كليهما بأن يتعلمها بالممارسة ثم ينتظم في مدرسة يتعلم فيها هذه المهنة وأصولها على نحوٍ منهجي.
(1) 17. انظر: ص96، انظر أيضًا قوله عن نفسه (ص93) :"وإنما عرفته] يقصد العلم بالفصاحة والنقد [بالدربة وتأمل أشعار الناس". قارن ذلك بما يقوله Northrop Frye من أن الذوق النقدي يتبع دراسة الأدب ويتطور من خلالها، The Anatomy of Criticism, p. 27
(2) 18. انظر: ص93 - ص95، قارن (مثلًا) : قدامة بن جعفر، نقد الشعر، ص17، ص19.