فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 41

-د-

على أن ثمّة سؤالًا لا مفرّ من مواجهته عند الحديث عن الغرض التعليمي (إنشائيًا كان أو نقديًا) من علم الفصاحة: هل يمكن تعليم الفصاحة؟ والجواب عن هذا السؤال هو في حد ذاته جواب عن مسألة أخرى وهي جدوى تعليم الفصاحة؛ فالفائدة إنما تكون في تعليم ما يمكن تعلّمه واكتسابه. ولا بدّ لنا من أن نقسم حديثنا هنا قسمين يتناول كل منهما واحدًا من غرضي هذا العلم: النقدي والإنشائي. وقد ذكرنا أن ابن سنان خصّ الجانب النقدي بعنايته واهتمامه، وتحدث في شيء من التفصيل عن وجه الفائدة من علم الفصاحة من هذه الناحية. ومن حديثه هذا يمكن استخلاص رأيه في إمكانية تعليم فن النقد، إذ إنه لم يخض في هذه المسألة على نحو مباشر.

ليس في كلام ابن سنان ما يدلّ على أنه يشترط توافر صفات بعينها كالذوق أو الموهبة فيمن أراد أن يكون ناقدًا، بل المفهوم من سياق كلامه أن باب النقد مفتوح لكل متأدّب؛ فأيّما امرئ وقف على الأصول والمبادئ التي تضمّنها كتاب"سرّ الفصاحة"وفهمها وأحسن تطبيقها يمكن أن يصبح ناقدًا، ولسان حاله يقول (إذا استعرنا ما علّق به أحدهم على كتاب ماثيو آرنولد"مقالات في النقد") : لا عذر لأحد بعد قراءة هذا الكتاب في ألا يكون ناقدًا [1] . صناعة النقد إذًا لا تحتاج إلى قدرات خاصة توجد عند بعض الناس دون غيرهم، وإنما هي علم يُكتسب اكتسابًا، وهي في متناول الإنسان العادي الذي لديه حظّ مقبول من الذكاء والفطنة، ولديه رغبة في تحصيل هذا العلم، وهمّة تدفعه إلى الوقوف على أسراره ودقائقه.

كلامنا هذا يصدق على نحوٍ لا يُحوج إلى مزيد من الشرح والبيان على الطائفة الأولى من متعلّمي النقد: أولئك الذين يجهلون الفرق بين مختار الكلام ومطّرحه؛ فإن قدرتهم على النقد مكتسبة أولًا وأخيرًا من علم الفصاحة الذي استحال به عجزهم إمكانًا ولولاه ما استطاعوا التمييز بين الجيد والرديء. والأمر بالنسبة إلى الصنف الآخر من المتعلمين، أي الذين لديهم ما سميناه حسًّا أدبيًّا في التفريق بين الحسن والقبيح - قد يشكل بعض الإشكال، وبخاصة أن ابن سنان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت