ما يقدّمه علم الفصاحة لمن لا يميّز الجيد من الرديء شبيه كما رأينا بما يقدمه علم النحو لمن لا سليقة له، والعروض لمن ليس له ذوق في موسيقى الشعر، وأما من يعرف الحسن من القبيح فإن علم الفصاحة يقوم عنده مقام النحو لصاحب السليقة اللغوية والعروض لمن له ذوق في موسيقى الشعر في أن كل علم منها ليس من غرضه أن يوجد في متعلّمه ما هو موجود فيه قبلًا، بل المراد تمكينه من التعليل والتفسير والاستدلال، وأن ينقل معرفته من كونها مبنيّة على مجرّد الطبع أو الذوق إلى أن تصبح معرفة منهجية اصطلاحية. وقد يحسن بنا أن نورد كلام ابن سنان -على طوله- لما فيه من جدّة وطرافة، يقول:"منزلة هذا الكتاب لمن لا يعرف البلاغة وطلاوة الكلام منزلة العروض لمن لا ذوق له يميّز به بين صحيح النظم وفاسده، والنحو لمن لا يُعرِب [1] طبعًا وعادة، وإنما يتكلّف ويتصنّع ... فأما من يفرق بين الكلام المختار وغيره، فإنه -وإن كان غير مفتقر إلى كتابي هذا كافتقار العاري من هذه الصناعة، الراغب في اقتباسها- فهو محتاج إليه من وجه آخر، منزلته أيضًا منزلة العروض والنحو لصاحبي الذوق والطبع؛ لأن العالم بالفصاحة إذا قطع على فصاحة بيت من قصيدة أو فصل من رسالة أو كلمة أو ما أشبه ذلك، وفضّله على غيره، لم يمكنه أن يبيّن من أين حكم، ولا لأيّ وجه فضّل، بل إنما يفزع إلى مجرد دعواه ومحض قوله. فإذا عرف ما بيّنته وفصّلته في هذا الكتاب علّل واستدلّ، وذكر الوجوه والأسباب، كما أن العارف صحيح النظم بذوقه والمُعرِب بطبعه وعادته إذا وقف على علم العروض والنحو علّل في البيت الموزون والكلمة المعربة وقال: هذا إنما كان صحيح الوزن لأنه من الدائرة الفلانية والبحر الفلاني، وضربه كذا، وعروضه كذا، وعدد أجزائه كذا، وذكر ما يحسن فيه من الزحاف ويقبح، وفصّل ما يفصّله العروضيون، وقال في الكلمة المعربة: إنما كانت مثلًا مرفوعة لأنها فاعلة، والفاعل في كلام العرب مرفوع، وما يجري هذا المجرى، وعلى مثل هذا النحو يقول في الفاسد الذي ينفر منه ذوقه أو يكرهه طبعه، ويعلّله على حدّ هذا التعليل الذي ذكرته"... (ص96 - ص97) .
(1) 15. في غير واحدة من الطبعات المتداولة من الكتاب:"لا يعرف"، والصواب ما أثبته، بدليل قوله بعد بضعة أسطر من هذه الفقرة نفسها:"المعرب بطبعه وعادته".