فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 41

للتوصّل إلى أنه من جنس كلامهم (كما يرى ابن سنان وأصحاب الصرفة) أو أنه مباين له [1] .

-ج-

فائدة علم الفصاحة في جانبه النقدي أنه يهيّئ المرء لأن يصبح ناقدًا، فمن أراد أن يلتحق بأهل هذه الصناعة وهو لا يعرف الفصاحة ابتداءً، ولا يقدر على الفرق بين جيد الكلام ورديئه -يستطيع أن يكتسب هذه المعرفة وتلك القدرة عند وقوفه على مبادئ هذا العلم ومعاييره، فتكون حال طالب الفصاحة هنا كحال من لا يتكلم اللغة سليقة فيطلب علم النحو ليعرف وجه الصواب من الخطأ، وحال من ليس له ذوق في موسيقى الشعر فيستعين بعلم العروض للتمييز بين الصحيح والمختلّ في أوزان الشعر. على أن القادر على الفرق بين الحسن والقبيح لا يزال هو أيضًا في حاجة إلى علم الفصاحة وإن بدا انه مستغنٍ عنها. هذا الصنف من المتأدّبين يعرف الجيد من الرديء وليس كالطائفة السابقة التي تجهل ذلك، ولهذا فإن وجه انتفاع هذا الصنف بمبادئ الفصاحة يختلف عن وجه انتفاع تلك الطائفة بها. فائدة علم الفصاحة هنا ليست في تربية القدرة على ... التفريق بين الحسن والقبيح، فهذه القدرة موجودة عند المتعلم أصلًا، ولكنه لا يستطيع تعليل أحكامه فتظل تلك الأحكام مجرد انطباعات لا يقوى على توضيحها [2] ، وتكون بمنزلة الدعوى التي لا تستند إلى دليل. هذا المتعلم تكوّن لديه بطول صحبته للنصوص الأدبية ومخالطته أهل الأدب حسٌّ أدبي جعله قادرًا على أن يستحسن ويستقبح، ولكن دون أن يرجع في ذلك إلى أصول مقرّرة يعرف معها لِمَ استحسن ما استحسن أو استرذل ما استرذل. وهنا يأتي علم الفصاحة بمبادئه ومعاييره لكي يضع لذلك الحسّ الأدبي إطارًا منهجيًا، إذا جاز التعبير، أو أسسًا نظرية للاستحسان أو عدمه.

(1) 13. انظر آخر الفقرة"هـ"من هذا البحث.

(2) 14. قارن: الآمدي، الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، 1/ 394 - 395، انظر أيضًا: ... (pseudo) Cicero, Rhetorica Ad Herennium, p. 233. على أن ابن سنان، خلافًا لغيره لا يخرج هؤلاء الذين لا يستطيعون التعليل والتفسير من دائرة النقد والنقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت