فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 41

-هـ-

يستطيع الجاهل بصناعة النقد أن يصبح ناقدًا إذا عرف المعايير التي تميّز مستحسن الكلام من مرذوله، كما أن الذي لا يعرف شيئًا عن النجارة يمكن أن يصبح نجّارًا إذا تعلّم مبادئ تلك الصناعة وتدرّب عليها؛ الأمر عائد في هذه وفي تلك إلى معرفة تُكتسب اكتسابًا. ولكن صناعة الإنشاء لها شأن آخر مختلف، فمعرفة أسرار الفصاحة ومبادئها، وإن كانت تمكّن المرء من أن يكون ناقدًا يميّز الجيّد من الرديء فيما ينشئه غيره، فإن هذه المعرفة في حدّ ذاتها لا تجعل منه منشئًا بليغًا؛"لأن الإنسان قد يكون ... عالمًا بتمييز مختار الكلام من مطّرحه، وليس بينه وبين البلاغة سبب ولا نسب، ولا يمكنه أن يؤلّف ما يختاره] أي ما يستحسنه [من تأليف غيره" (ص95) . وما ذاك إلا لأن الأدب عند ابن سنان يتميّز من بين سائر الصناعات في حاجة منشئه إلى موهبة تكون جزءًا من طبيعته التي فُطر عليها، ولا سبيل إلى اكتسابها،"ولهذا لا يمكن أحدًا أن يعلّم الشعر من لا طبع له وإن جهد في ذلك؛ لأن الآلة] أي الطبع أو الموهبة [ ... التي يُتوصّل بها] لقول الشعر [غير مقدورة لمخلوق، ويمكن تعلم سائر الصناعات لوجود كل ما يُحتاج إليه من آلاتها" (ص94) . واختصاصه الشعر دون غيره من فنون الأدب بكونه لا يُتعلّم إنما هو على الأرجح من باب التمثيل، لا على سبيل الحصر؛ وذلك لأنه يرى أن الطبع (أي الموهبة) لا بدّ منه لناظم الكلام، شاعرًا كان أم ناثرًا، وعندما يتحدث عن"طبع هذا الناظم"... (ص94) ، فإنه يعني بالناظم المنشئ"الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض كالشاعر والكاتب وغيرهما" (ص93) ، وليس ناظم الشعر وحده[1] .

الأدب لا يُعلَّم في مذهب ابن سنان، وهذا هو قول عامة البلاغيين والنقاد، ولكننا نجده يقول في موضع آخر وقد ذكر"الإفصاح والبيان والبلاغة وحسن النطق": إن ذلك يستطيع أن يدركه المرء"باجتهاده إن كان لا دربة له، وتكلّفه"

(1) 19. انظر أيضًا: إشارته إلى"ناظم الكلام"بمعنى المؤلف الذي ينظم الألفاظ بعضها مع بعض (ص95) ، وقوله مخاطبًا الشاعر والكاتب كليهما:"والوصية لهما ترك التكلف، والاسترسال مع الطبع" (ص290) ، وحديثه عن البلاغة بعامة (لا بلاغة الشعر وحده) ، وأنه لا يكفي فيها المعرفة بالجيد والرديء، بمعنى أنها تحتاج قبل ذلك إلى الموهبة (ص59) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت