فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 41

إن كان لا طبع عنده" (ص61) . ومعنى هذا أن الإنسان يستطيع بالتكلف والتدريب أن يكون بليغًا دونما حاجة إلى موهبة فطرية، خلافًا لما رأيناه من قبل من كون هذه الموهبة أمرًا ضروريًا لا بد منه."

وإذا أردنا أن نوجّه كلام ابن سنان على نحوٍ يخلّصه من شبهة التناقض فقد نقول إن كلامه في الموضع الأخير عن التكلّف لمن لا طبع له إنما جاء في معرض التفريق بين الإنسان والحيوان: لا يكفي عنده أن نعرّف الإنسان بأنه حيوان ناطق؛ فإن الصمت أفضل من الكلام المطّرح المرذول، فصار الكلام الحسن البليغ، لا مجرّد النطق والكلام، هو في نظره الفارق الصحيح بين الإنسان والحيوان [1] . ولا بدّ لنا من أن نحمل حديثه عن"الإفصاح والبيان والبلاغة وحسن النطق"على أنه يقصد به القدر العادي من حسن الكلام وسداد المنطق؛ فإن هذا في متناول جمهور الناس، وليس حكرًا على الموهوبين، بخلاف الشعر والخطابة والكتابة التي يحتاج من يتعاطاها إلى أن يكون ذا موهبة ابتداءً وليست متاحة لكل إنسان. يؤيّد ما قلناه ههنا أن البلاغة هي فرقُ ما بين الإنسان والحيوان، ولا يمكن أن يكون ابن سنان قصد بالبلاغة في هذا الموضع الشعر وغيره من فنون الأدب؛ فمن غير المعقول أن الإنسانية عنده هي في كون المرء كاتبًا أو شاعرًا أو خطيبًا، لأن هذا يستلزم أن من لم يكن كذلك - كما هي حال أكثر الناس- لا يستحقّ أن يرتفع عن الحيوانية إلى مرتبة الإنسانية. وعلى ذلك فإن ما يريده ابن سنان ههنا لا يتجاوز الحدّ المقبول من الإبانة والإفصاح وحسن العبارة مما لا يحتاج إلى موهبة خاصة، وإنما يمكن حصوله بالدربة والتكلّف، وإن كانت الموهبة -إذا وجدت- تغني صاحبها عن ذلك.

وهكذا يتحصّل لنا من مجموع ما ذكرناه أن فن القول عند ابن سنان على ضربين: ضرب يحتاج فيه القائل إلى أن يكون ذا موهبة واستعداد سابق، وهو الشعر قطعًا وسائر الفنون الأدبية على الأرجح، وضرب ثانٍ يمكن اكتسابه وهو الكلام الصواب الواقع في موقعه. ولعل ذلك يشبه ما يسمّيه أهل زماننا التعبير الإبداعي والتعبير الوظيفي. ولما كان تعليم صناعة الإنشاء (بمعنى الأدب

(1) 20. انظر: ص60 - ص61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت