الإبداعي) لمن لا طبع له أمرًا غير مقدور عليه، فإن من الواضح أن فائدة علم الفصاحة في الضرب الأول محدودة جدًا، لأن غاية ما في وسع معلّم الفصاحة أن يقدّمه لهؤلاء -على قلّتهم- أن يصقل مواهب موجودة لديهم، لا أن يوجدها فيهم. أما في الضرب الآخر الوظيفي فإن فائدة علم الفصاحة تعمّ ولا تخصّ، فهو موجّه هنا إلى الناس في جمهورهم، لا إلى فئة منهم، ينتفعون به في تحسين أدائهم اللغوي والبياني بمعرفتهم ما يُستجاد وما لا يستجاد من ألفاظ اللغة وأساليب التعبير [1] .
على أن ابن سنان يقرّر في وضوح أن"التعبير الإبداعي"هو موضوع بحثه وأنه إنما يتناول"المعاني التي تستعمل في صناعة تأليف الكلام المنظوم والمنثور" (ص234) و"الألفاظ المؤلّفة المنظومة على طريقة الشعر والرسائل وما يجري مجراهما فقط، إذ كان ذلك هو مقصودنا في هذا الكتاب" (ص235) . أما ذلك الحدّ الأدنى من البيان الذي يرتفع به المرء عن الحيوانية إلى الإنسانية فهو باب من القول ساقه إليه الحديث عن أهمية البيان وفضيلته، وليس مقصودًا في نفسه. الأدب الإبداعي"على طريقة الشعر والرسائل وما يجري مجراهما فقط"هو وحده موضوع علم الفصاحة عنده، وأهل الأدب هم بين منشئ له وناقد؛ فأما الإنشاء فتعليمه غير ممكن، بينما يمكن لجمهور المتأدبين تعلّم النقد واحترافه. وأيّما علمٍ أو فن ففائدة تعليمه تعتمد على إمكانية تعلّمه واكتسابه، فالأمران (الفائدة وإمكانية التعليم) متلازمان، ووجود أحدهما (أو عدم وجوده) يقتضي وجود الثاني (أو عدم وجوده) ، والحديث عن أيّ منهما يغني عن القول في الآخر. ولذلك اكتفى ابن سنان ببيان وجه الفائدة من علم الفصاحة في تعليم صناعة النقد، فذلك يعني قطعًا أن تعليم النقد ممكن، واقتصر في صناعة الإنشاء على القول إنها لا تُعلَّم، فلم يعد من مسوّغ للخوض في جدوى تعليمها [2] .
(1) 21. انظر (مثلًا) آراء في هذه المسألة عند: أحمد الشايب، الأسلوب، ص35 - ص36؛
(2) 22. قارن مذهب ابن سنان هنا برأي Northrop Frye في أن تعليم الأدب غير ممكن، وأن نقد الأدب هو كل ما يمكن تعليمه The Anatomy of Criticism, pp. 11,342,