فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 41

وهكذا وجدنا ابن سنان عندما فصّل القول في فائدة علم الفصاحة سكت عن وجه الانتفاع به في صناعة الإنشاء، بل إن صناعة الإنشاء بعامة لم تلق إلا اليسير من عنايته، ولعله قد أحسّ بذلك وهو يوشك على الفراغ من تأليف كتابه، ووجد أنه قد خالف سنّة البلاغيين في احتفالهم بهذه الصناعة، فختم ..."سر الفصاحة"- كما ذكرنا آنفًا- بفصل"فيما يحتاج مؤلف الكلام إلى ... معرفته"يخاطب فيه الأديب المنشئ بخاصة، ولكن مما له دلالة كبيرة في هذا السياق أنه تناول ههنا بشيء من التفصيل حاجة المنشئ إلى علوم عدّدها (اللغة والنحو والصرف والعروض والقافية) ولم يكن علم الفصاحة واحدًا منها.

لا تخلو نظرية ابن سنان من مواضع يتحدث فيها إلى الأدباء المنشئين، أو يمكن أن تؤوّل على أنها كذلك، كما ستجده فيما يأتي من هذا البحث، ولكنها مواضع قليلة، والنقد هو الغالب على كتابه، وكأن تعليم النقد هو الموضوع الحقيقي لعلم الفصاحة في مذهبه؛ فأنت تتحدّث ههنا عن تعليم ما تعليمه ممكن، وعن الغرض مما يحقّق غرضًا، فضلًا عن أن الفائدة (المحدودة) التي يجنيها من علم الفصاحة من له طبع في صناعة الإنشاء متضمّنة في ذلك الجانب النقدي منه بعينه؛ فإذا وقف الأديب على المعايير النقدية التي بها يتميّز الجيد من الرديء في الكلام اهتدى بها فيما ينشئه هو نفسه، كما أشرنا سابقًا، فعندما يقول ابن سنان مثلًا إن الفنون البلاغية"إنما يحسن منها ما قلّ وجرى ... مجرى اللمعة واللمحة، فأما إذا تواتر وتكرّر فليس عندي ذلك مرضيًَّا"... (ص189) - فإنه يضع معيارًا يحكم به الناقد على قصيدة قيلت ليرى مدى بعدها عنه أو قربها منه. وهذا المعيار النقدي يتضمّن في الوقت نفسه توجيهًا لمن أراد أن ينظم قصيدة في أن يقتصد في استعمال تلك الفنون لتحظى قصيدته بالقبول والاستحسان. وهكذا تكون وظيفة النقد مزدوجة.

ـ وـ

وإذ قد عرفنا الفائدة من علم الفصاحة والمتعلّمين الذين يمكنهم الانتفاع به، فإن ثمّة مسألة أخرى: ماذا نعلّم؟ معلّم النقد، أو العالم بالفصاحة عند ابن سنان، يريد أن يضع بين يديك خلاصة تجربته ورحلته الطويلة في عوالم الأدب، ولكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت