ليس لك أن تتوقّع منه أن يحدّثك بالتفصيل عن كل ما رآه وسمعه في رحلته هذه التي امتدّت عبر السنين، ولا أن تنتظر منه أن يقفك على جزئيات تجربته ودقائقها كلّها، فذلك أمر خارج عن حدود الإمكان. لا يستطيع معلم النقد إلاّ أن يصوغ تلك التفصيلات والدقائق والجزئيات في هيئة مبادئ كلية وأسس عامة تُطلعك على ما يُستحسن أو يستقبح في عناصر النص الأدبي، وأنت بعد ذلك تعرض القطعة التي تنوي نقدها على تلك المبادئ والأسس فيتبيّن لك مدى ما في تلك القطعة من حسن أو قبح، يقول ابن سنان:"الفصاحة عبارة عن حسن التأليف في الموضوع المختار، فإذا كنتُ قد ذكرت الموضوع، والوجه في اختياره، وعلى أيّ صفة يكون المرضيّ منه والمكروه بما فيه مقنع أو كفاية، ثمّ شرعت الآن في الكلام على التأليف بحسب ذلك، وبيّنت منه الوجوه التي بها يحسن أو يقبح -كان الكلام في معرفة الفصاحة وحقيقتها واضحًا جليًّا، وأمكن مَن لم تكن له بها دربة ولا معرفة الفرق بين فصيح الكلام وغيره باعتبار الصفات التي ذكرتها ... وليس يمكن إيضاح الفصاحة لمن يجهلها إلاّ بهذا السبب وعلى هذا النحو، لأن من له بها معرفة وسابق علم إنما حصل له ذلك بالمخالطة والمناشدة وتأمّل الأشعار الكثيرة والكلام المؤلّف على طول الوقت وتراخي الأزمنة. وليس يمكنه أن يُحضر لمن أراد تعليمه كلّ بيت سمعه، وفصل تأمّله، ولفظة كرهها، ومعنى حكم بفساده أو بصحّته؛ لأن هذا يحتاج إلى الزمان الطويل والأيام الكثيرة، بل ولا يمكن حصوله البتّة [1] ، فلا طريق إلى العلم بما شرحته إلاّ من هذا النحو الذي قصدته، والطريق الذي سلكت فيه" (ص95 - ص96) .
علم الفصاحة، أو علم النقد، الذي يريد ابن سنان أن يؤسّس له يتناول إذًا المبادئ الكلية العامة. وهذه العمومية هي في حدّ ذاتها، أي حتى لو لم تكن الضرورة قد ألجأت إليها، مطلب تعليمي؛ فإن المتعلم يضيق بكثرة الجزئيات والتفصيلات والتفريعات، وأصحاب المنهج التعليمي في أي علم أو باب من المعرفة يختصرون
(1) 23. قارن ذلك بما يقوله الآمدي، الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، 1/ 393. ويكاد يكون من المؤكد أن ابن سنان قد انتفع هنا بما جاء به الآمدي، ولكن ابن سنان استخدم فكرة الآمدي للوصول إلى نتيجة مخالفة تمامًا لتلك التي يريدها صاحب الموازنة.