مادة ذلك العلم في مبادئ أو"تعميمات"ينتظم كل منها كثيرًا من التفصيلات، تيسيرًا على المتعلم الذي يستدلّ بما عرفه على ما لم يعرفه من الأشباه والنظائر [1] .
مبادئ علم الفصاحة عامة بالمعنى الذي تقدّم، وهي عامة بمعنى آخر، وهو أنها لا تختصّ بنوع أدبي دون غيره؛"إن للكتب السلطانية من الطريقة ما لا يستعمل في الإخوانيات، وللتوقيعات من الأساليب ما لا يحسن في ... التقاليد" (ص256) ، وابن سنان إنما يتناول المعايير التي تصدق على كل نوع أدبي، يستوي عنده في ذلك منظوم الكلام ومنثوره [2] .
وهذه المبادئ عامة بمعنى ثالث، وهو أنه لا اعتداد عند صياغتها بما يرجع إلى الميول والأذواق المتقلّبة التي تتغيّر بتغيّر الزمان وتبدّل الأوقات، أو يعود إلى مواضعات الناس واصطلاحاتهم في عصر بعينه. مبادئ النقد عند ابن سنان تتّجه إلى ما هو ثابت لا يلحقه التغيير؛ دونك مثلًا قول البحتري يمدح الخليفة:
لا العذل يردعه ولا التـ ... عنيف عن كرم يصدّه
فإن هذا المدح لا يصلح للأئمة والخلفاء، و"من هو الذي يجسر على عذل الخليفة وتعنيفه؟!" (ص257) ، وهذا أمر لا يختص بزمن دون آخر، (ولا فرق بين أن يكون قد ورد في قصيدة أو رسالة أو خطبة) [3] .
التأليف في النقد عند ابن سنان ينبغي أن يتعلّق بالثوابت، ويُعرض عن المتغيّرات. يقول بعد أن تحدث عن اختلاف المواضعات والاصطلاحات بين فنون النثر من كتب سلطانية وإخوانيات وتوقيعات:"وهذا الباب، أعني المواضعة والاصطلاح في الخطاب، يتغيّر بحسب تغيّر الأزمنة والدول؛ فإن العادة القديمة قد هُجرت ورُفضت، واستجدّ الناس عادة بعد عادة، حتى إن الذي يُستعمل اليوم في الكتب غير ما كان يُستعمل في أيام أبي إسحاق الصابي ... ]-384هـ[، مع قرب زمانه منّا. وإذا كان الأمر على هذا جاريًا، فليس يصحّ"
(1) 24. ولذلك تجد ابن سنان وهو يقرر أصوله ومبادئه يشير في غير موضع إلى أنها مما يستدل بها على غيرها، انظر: ص63، ص89، ص92، ص145، ص278.
(2) 25. يقول ابن سنان (ص77) :"كلامي عليها]أي الشعر والنثر [واحد" ، قارن: ص220.
(3) 26. انظر أمثلة أخرى ص257 - ص265.