فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 41

لنا أن نضع رسومًا نوجب اقتفاءها؛ لأنّا نحن في هذا الزمان قد غيّرنا الرسم المتقدّم لمن قبلنا، وكذلك ربما جرى الأمر فيما بعدنا [1] ، لكنّ أصول الأغراض في الأوصاف والمعاني مما لا تتبدّل ولا تتغيّر، فليكن الائتمام بها واقعًا، والاجتهاد في جريها على قانون السداد والصواب حاصلًا"... (ص256 - ص257) ."

واضح من كلام ابن سنان هنا أنه ألّف كتابه لا لأبناء عصره وحسب، بل لطلاب النقد في أي عصر لا على التعيين؛ إنه يطمح إلى أن يضع دستورًا للنقد لا تنتهي مدّة صلاحيته عند تاريخ ما، وأن يقيم صرحًا مشيّدًا لا يتخوّن بنيانَه تعاقبُ الفصول، ولا يضعضع من أركانه تطاول الأعوام والقرون -لا أن يخطّ على الأرض رسومًا تعفّيها رياح الزمن. ينبغي لمعلّم الفصاحة إذًا أن يضع لطلاب النقد من المبادئ والمعايير ما هو صالح للدوام والاستمرار، وعند ابن سنان أن ذلك يتحقّق باستبعاد الأساليب الأدبية التي يكون لها رواج في وقتٍ ما ثم يؤول أمرها إلى أن تُهجر ويستبدل بها غيرها [2] ، والاقتصار على"الأصول"أو المبادئ التي يلتقي عليها الناس على اختلاف أزمانهم، لكونها (في رأيه) مما يقرّه العقل أو يشهد به الحس السليم. لا خلاف مثلًا في أن البحتري لم يكن مصيبًا في مدحه الخليفة في البيت الذي مرّ ذكره. وعند ابن سنان أن اللفظ المؤلّف من حروف متجاورة في مخارجها قبيح،"والشاهد على ما ذكرناه الحسّ؛ فإن الكلفة في تأليف المتجاور ظاهرة، يجدها الإنسان من نفسه حال التلفّظ به" (ص58) ؛ ولذلك تجد ابن سنان يتحدث عن المبادئ التي تضمّ‍نها كتابه بأنها مما لا يمكن المنازعة فيه، أو"لا يخفى على أحد"، وأن من خالفه فيها مكابر أو"جاحد للضرورة لا تحسن مناظرته"، أو أنه قد"خرج من جملة العقلاء"، أو"بان فساد قوله لكافة العقلاء" [3] .

(1) 27. كلامه هنا موجّه إلى الناقد الذي يصوغ الأسس والمبادئ، أما الكاتب فيحتاج إلى معرفة تلك الرسوم ومراعاتها كما يقول ابن سنان نفسه في موضع آخر، انظر: ص290.

(2) 28. قارن ذلك بالتفريق بين مبادئ النقد والأذواق المتقلّبة في: Northrop Frye, The Anatomy of Criticism, p. 9 ff؛ وانظر ما له صلة بذلك أيضًا في: R. A. Scott- James, The Making of Literature, pp. 146,154

(3) 29. انظر: ص63، ص64، ص132، ص283، ص65، ص134 على التوالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت