الصفحة 21 من 25

الأيدي , وكلما هممت بوصفه غامت ملامحه , لأنه أقرب إلى الانطباع النفسي , وما

يستشعره السامع من الكلام , دون أن يدري كيف وصل , ولا سبل البيان عنه , لكنك

مع ذلك تراه يهزك هزا , ويحرك فيك الجوارح قبل القلوب.

وهو أسرع إلى القلوب من المعنى , لكنه حين يصل إليها تراه يمهد للمعنى , ويفتح

له القلوب , ويفسح له الطريق بما يملك من قدرة على التأثير , فالفطرة تميل إليه

, والقلوب تحن إليه.

وفي شعار التلبية تجد الأثر السمعي يهجم عليك قبل الأثر الدلالي , وتجد النغمات

تملؤك قبل أن تدرك معاني الكلمات , ومقاصد التراكيب , ومعاني الجمل.

تلحظ ذلك أول الأمر في هذا القرع المتوازن في كلمة لبيك , ثم من الذبذبات

المتولدة من حروف المد في كلمات (اللهم - لا - شريك) ثم من النغم الكامن في

النون المشددة في كلمتي (إن - النعمة) .

ثم من الحركات المتلألئة على الحروف بداية من أول الشعار حتى آخرة , وحين تحلل

هذه الحركات تجد الآتي:

• ... ملأت الفتحة جنبات الشعار حتى أنها ذكرت ستة وثلاثين مرة.

• ... تلاها السكون حيث تكرر خمس عشرة مرة.

• ... تلتها الكسرة حيث كررت أربع مرات

• ... ثم جاءت الضمة مرتين فقط.

وفي صوت الفتحة فرحة لاتجدها في الأصوات الأخرى , وفيها صعود وارتقاء , وفيها

امتلاء تستشعره حين تتجاوب مع ألف المد , فيمتلئ المكان بدويها , وهذا ما أمر

به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم. , أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ,

فعلوا بها حتى بُحّت.

ولا شك أن الذي ساعدهم على ذلك حركة الفتح التي تملأ جنبات الشعار.

ولا يغيب هنا هذا البناء الموسيقي الذي بني عليه الشعار , حيث يوجد ما يسمى

بالقرار ثم الجواب.

فحين تقول: \"لبيك \"الأولى , تجيبك بعدها \"لبيك \"الثانية , وكأنها جواب

للأولى , والمتلقي وإن لم يدرك هذه الهندسة الصوتية إلا أنه سيطرب لهذا الحوار

الموسيقي بين القرار والجواب.

كما أن في بناء كلمة التلبية على هذا النحو ما يشير إلى هذا

التجاوب, والثنائية, فهناك في الكلمة طرفان, أو عنصران, تلبية بعد تلبية, وإجابة بعد

إجابة, وحين تتحقق الأولى تتبعها الثانية, أو تجيبها, وهذا يبعث في النفس نشاطًا

أي نشاط , ثم إنك تجد هذا التدرج في حجم الجملة , حيث تبدأ صغيرة ثم تنمو شيئا

فشيئا , فيقال أولا: لبيك اللهم لبيك ... ثم يزاد فيقال: لبيك لا شريك لك لبيك

ثم يزاد فيقال: إن الحمد والنعمة لك والملك. ثم تأتي القفلة , أو الختام ,

وهو يتسم بالإيجاز في كل شيء , فيقال: لا شريك لك.

وتعال معي نرهف السمع لكلمة \"لبيك \"وكررها معي على أذنك بتؤدة , وقل:

لبيك ... لبيك .. لبيك .. لبيك.

لقد وجت دون شك ما وجدته , إن هنا صوتا يشبه الطرق على الباب , والإلحاح على

هذا الباب كي يفتح , إن هناك من يستغيث , إن هناك من يلح بالخضوع حتى يقبل.

إنه إلحاح نغمي قوي , وكأن صاحبه يقول: لن أبرح حتى تقبلني , وتلك قصة الحج

دون زيادة , ملازمة على الباب وإلحاح على رب الأرباب , وذل وخضوع حتى يستشعر

معنى: قد غفرت لك , فتتحول التلبية يوم العيد إلى نشيد آخر يشي بالفرح والسرور

, والغبطة والحبور , فيقول الحجيج: الله أكبر الله أكبر الله أكبر , لا إله

إلا الله , والله أكبر , الله أكبر ولله الحمد.

ثم عاود إرهاف السمع للشعار كله , وحاول أن تمسك معي هذا الخيط الرابط بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت