هذه الأرض الحرام له دلالته وأغراضه , لذالك شاع في الشعار حرف الكاف الذي يؤذن
أول ما يؤذن بوجوب احتكاك المسلمين بهذه الأرض.
فإذا نظرت إلى أفق آخر وجدت أن الاحتكاك المدلول عليه بحرف الكاف لا يقف فقط
عند المسلمين والأرض الحرام , بل يتعدى ذلك إلى وجوب الاحتكاك بين المسلمين
بعضهم البعض , حتى يتحقق فيهم معنى الجسد الواحد , الذي يتداعى في الضراء قبل
السراء , والذي يشد بعضه بعضا , وامتداد الزمان لفريضة الحج والتي تشمل على أقل
تقدير خمسة أيام تحقق هذا الالتصاق , وهذا التوحد الأسمى لأمة مأمورة بالوحدة
والاعتصام, فصوت الكاف مخفوتًا بعض الشيء وممطوطًا أيضا ً، كي يوحى بالاحتكاك
والحرارة.
ودفء المشاعر السارية في قلوب المسلمين , والود والمحبة المتمكنة بينهم , حتى
صار الجميع كالبنيان المرصوص , وتلك من مقاصد الحج , وغاياته.
أما حرف اللام:
فالأصل في معنى اللام أنها للإلصاق والإلزام ... , لكنها تأتي لمعانٍ كثيرة ,
ومن أوفرها حضورا في لغة الضاد(لامُ المِلْك , كقولك: هذا المالُ لزيد ,
وهذا الفرس لمحَمد , ومن النحويين من يسمِّيها لامَ الإضافة , سمّيت لامَ
المِلْك لأنك إذا قلت: إن هذا لِزيد عُلِمَ أنه مِلْكُه فإذا اتصلت هذه اللام
بالمَكْنيِّ عنه نُصِبَت , كقولك: هذا المالُ له ولنا ولَك ولها ولهما ولهم.
وفتحت اللام مع الكنايات لأنها في الأصل مفتوحة وإنما كسرت مع الأسماء
ليُفْصَل بين لام القسم وبين لام الإضافة ألا ترى أنك لو قلت: إنّ هذا المالَ
لِزيدٍ عُلِم أنه مِلكه؟ ولو قلت: إن هذا لَزيدٌ عُلم أن المشار إليه هو زيد
؟ فكُسِرت ليُفرق بينهما , وإذا قلت: المالُ لَك , فتحت , لأن اللبس قد زال.
وحين تستحضر المشهد , وتراص الحجيج في المشاعر , تدرك معنى الإلصاق ,
والملامسة الموجود في حرف اللام ,(فاللام هي الّلامة , أي الجامعة حتى
إنه يعبر عن جماعة الناس باللمة)
وحين تراجع مقصود الشعار , وإقرار العباد بوحدانية الله تعالى , وأنه سبحانه
المالك لكل شيء , للنعمة والملك , والحمد أيضا تدرك معنى لام الملك , فكل شيء
لله تعالى \"إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ"
وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي
اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54 الأعراف)
المبحث الرابع
في رحاب النغم داخل الشعار
لكل نص بياني بديع نوعان من الأثر في المتلقي , الأول يأتيه من جهة المعنى
والتركيب والصورة ,والآخر يأتيه من جهة النغم والموسيقى التي تهش لها القلوب ,
وتبش لها الأرواح.
والعجيب أن وضع اليد على معالم الأثر الأول سهل يسير لكل من ملك أدوات البيان
, وعرف كيف تصاغ المعاني , لكن الأخر عصِيٌ أبيٌ على طالبه , يتفلت من بين