تعالى , ولا يستحسن التعجيل بالسؤال أول القدوم , بل الأولى في بداية القدوم
على الملوك - ولله المثل الأعلى - تقديم فرائض الطاعة والخضوع , والثناء الحسن
الجميل , ومازال في الوقت متسع , وسؤال الحاجات له مواطنة , وأوقاته , مثل
الطواف , وبخاصة عند الملتزم , ويوم عرفه , وبعد رمي الجمار أيام التشريق ,
وغير ذلك من المواطن التي يستحب فيها السؤال , أما الشعار فالمقام فيه مختلف ,
إنه مفتاح الدخول على الله تعالى , وتقديم فرائض الخضوع والطاعة , ولا مجال
ساعتها لطلب الحاجات.
أما اصطفاء هذه الأمور الثلاثة دون غيرها , فمن البداية نتذكر أن الحمد مرتبط
بالنعمة , فالبداية نعمة تستوجب الحمد.
كما أن الحمد يشرع عند تمام الأمور , فلما كان الحج مرة واحدة في العمر ,
وغالبا ما يكون عند استشعار قرب نهاية الحياة , كان مجيء الحمد في التلبية
إقرارًا بأن ما مضى نعم تتلوها نعم , وعطاء يتبعه عطاء.
زد على ذلك أن الحمد والنعمة متلازمان , لكن قُدِّم ذكر الحمد على ذكر النعمة
إشعارا بوجوبه لذاته , سواء ذكرت النعمة أم لم تذكر , وفي ذلك من الثناء على
الله ما فيه.
كما أن من لوازم القدوم على الله تعالى بعد الإقرار بالوحدانية , وبتمام الخضوع
, الإقرار أيضا بأن العطاء في جميع صوره من الله وحده , وإذا كان الشعار رسالة
ينبغي على الكون كله أن يسمعها , فلابد أن تختزل هذه الرسالة في أقل شيء ألا
وهو توحيد الربوبية المتمثل في جملة \"لا شريك لك \"وتوحيد الألوهية المتمثل
في إثبات الطاعة , وكمال الحمد.
فجميع صور العبودية لله تعالى يعبر عنها بالحمد , أما إثبات النعمة والملك فهي
من قبيل التعليل , والبرهان على أحقيته سبحانه بالحمد , فمادامت النعمة كلها له
, والملك كله له فعلى كل عاقل أن يذل له ويخضع. ولو أنك تفكرت في جميع أسماء
الله تعالى وصفاته لوجدتها ترجع إلى واحد من هذه الثلاث(الحمد والنعمة والملك
)لذلك اقتصر عليها.
أما (اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عز وجل فإنه نوع آخر من الثناء عليه -
سبحانه - غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف , فله سبحانه من العُلا نوعا ثناء:
1 -نَوْع مُتَعَلِّق بِكُلِّ صِفَة عَلَى اِنْفِرَادهَا.
2 -وَنَوْع مُتَعَلِّق بِاجْتِمَاعِهَا , وَهُوَ كَمَال مَعَ كَمَال وَهُوَ
عَامَّة الْكَمَال وَاَللَّه سُبْحَانه يُفَرَّق فِي صِفَاته بَيْن الْمُلْك
وَالْحَمْد، وَسَوَّغَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اِقْتِرَان أَحَدهمَا
بِالْآخَرِ مِنْ أَعْظَم الْكَمَال.
فَالْمُلْك وَحْده كَمَال، وَالْحَمْد كَمَال , وَاقْتِرَان أَحَدهمَا
بِالْآخَرِ كَمَال، فَإِذَا اِجْتَمَعَ الْمُلْك الْمُتَضَمِّن لِلْقُدْرَةِ
مَعَ النِّعْمَة الْمُتَضَمِّنَة لِغَايَةِ النَّفْع وَالْإِحْسَان
وَالرَّحْمَة مَعَ الْحَمْد الْمُتَضَمِّن لِعَامَّةِ الْجَلَال وَالْإِكْرَام
الدَّاعِي إِلَى مَحَبَّته، كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَظَمَة وَالْكَمَال
وَالْجَلَال مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ وَهُوَ أَهْله , ....
وَنَظِير هَذَا اِقْتِرَان الْغِنَى بِالْكَرَمِ، كَقَوْلِهِ: فَإِنَّ
رَبِّي غَنِيّ كَرِيم فَلَهُ كَمَال مِنْ غِنَاهُ وَكَرَمه، وَمِنْ
اِقْتِرَان أَحَدهمَا بِالْآخَرِ.
وَنَظِيره اِقْتِرَان الْعِزَّة بِالرَّحْمَةِ: وَإِنَّ رَبّك لَهُوَ
الْعَزِيز الرَّحِيم.
وَنَظِيره اِقْتِرَان الْعَفْو بِالْقُدْرَةِ: وَكَانَ اللَّه عَفُوًّا
قَدِيرًا.
وَنَظِيره اِقْتِرَان الْعِلْم بِالْحِلْمِ: {وَاَللَّه عَلِيم حَلِيم} .