وكأنها رحم أثمر هذه الفروع , فالأصل في الشعار إثبات الوحدانية لله تعالى ,
سواء وحدانية العبودية المتمثل في لفظة لبيك , أو وحدانية الألوهية المتمثل في
جملة لا شريك لك , والذي لا شك فيه أن توحيد الربوبية أصل , وجذر يتفرع عنه
توحيد الألوهية , وكأن المعنى هو:
لأنه لاشريك لك , ولا إله غيرك , فلقد وجبت التلبية لك , والحمد لك , والنعمة
لك , والملك لك.
فجملة \"لا شريك لك \"هي الأصل , وهي النبع الذي تفرعت منه باقي الجداول ,
وهي ما يراد توصيله للناس كافة , ولذلك ختم به الشعار لأنه ملخص النشيد ,
وغايته , ومقصوده.
وكمال الاستجابة في الإقرار بالوحدانية من خلال نفي الشريك.
وهنا يثار استفهام , مفاده: لم قيل \"لا شريك لك \"ولم يُقل \"وحدك \"وما
الفرق بين أن تقول: \"لبيك وحدك \", وأن تقول: \"لبيك لا شريك لك \".وأن
تقول: \"لبيك وحدك لا شريك لك \".
وأزيد ذلك وضوحا , فأقول: إن الوحدنية تنافي الشرك , ولكن متى يقال: وحده ,
ولا يصح إضافة \"لا شريك له \"
ومتى يقال \": لا شريك له \"دون البدء بلفظة \"وحده \"؟
ومتى يجمع هذا وذاك؟
ولعل الوجه في ذلك أن إثبات الوحدانية دون جمعها مع نفي الشريك يفتح الباب لفهم
المبالغة , دون الاقتصار حقيقة على التفرد , و لعلك تذكر كلمة سيدنا أبي بكر في
غزوة أحد حين قال: \"هذا يوم كله لطلحة \"وسيدنا طلحة لم يقاتل وحده يوم أحد
, لكن نسب له الأجر وحده لما أبلاه في هذا اليوم , وصده الكفار عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
فالاقتصار على لفظة \"وحده \"تعني في الغالب إبراز أهمية الدور , ولا تعني
مطلقا نفي الشريك , ولذلك اقتصر على هذا اللفظ في حديث فتح مكة فلقد روى الإمام
أحمد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ
مَكَّةَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ نَصَرَ عَبْدَهُ
وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
وتلحظ هنا أنه لم يذكر \"لا شريك لك \"
فنصرته لعبده , وهزيمة الأحزاب كانت قضاء الله تعالى وقدره , ولكنها في الوقت
نفسه تمت بأسباب صنعها المسلمون , كي تتحقق أقدار الله تعالى , فقيل \"وحده"
نصر عبده وهزم الأحزاب وحده \""
أما نفي الشريك فإنه يتضمن بالضرورة إثبات الوحدانية , لكن هناك أعمال قلوب ,
وأعمال جوارح , والشأن في الحج ألصق بأعمال القلوب , وأقرب إلى توجه النفوس إلى
الله تعالى , وهذا مما تتداخل فيه نوازع النفس , ووساوس الشياطين , فكان
الاقتصار على نفي الشريك لأنه لا يدعي أحد أن الحج لغير الله تعالى , وفي الوقت
نفسه لا تسلم النفوس من إشراك غير الله في الأمر , فكان الإلحاح عليه بتخليصه
لله وحده , ونفي الشريك فقيل: \"لا شريك لك \"
وفي سياقات كثيرة جمع فيها بين لفظة \"وحده \"وجملة \"لا شريك له \"وذلك
نحو: \"قول َ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُبُرِ"
كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ , لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا
يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)
وقوله \"مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ"
لَهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ
اللَّهِ وَرَسُولُهُ ,وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ , وَرُوحٌ مِنْهُ