الرَّبّ تَعَالَى، إِذْ يَسْتَحِيل أَنَّ يَقُول الرَّجُل لَبَّيْكَ لِمِنْ لا
يَسْمَع دُعَاءَهُ مما يعني التَّقَرُّب مِنْ اللَّه، وَلِهَذَا قِيلَ.
إِنَّهَا مِنْ الْإِلْبَاب، وَهُوَ التَّقَرُّب .. )
ووضع سيبويه لفظة التلبية تحت عنوان:(باب ما يجيء من المصادر مثنى منتصبا
على إضمار الفعل المتروك إظهاره , وقال: إنهم حذفوا الفعل لأنه صار بدلًا
منه.)
ولا شك أن المصدر حين ينوب عن الفعل , فإن اللفظ يتخلص من كل شيء ليصير
المعنى خالصا دائما , محررا من جميع القيود , محررا من الزمان , ومن المكان
, بل ومن الفعل النائب عنه , لأنه من المصادر التي لا أفعال لها , فتصير
الاستجابة دائمة لا تنقطع أبدا.
أما لفظة (اللهم) :
(فأصلها \"يا الله \"والميم المشددة عوض عن حرف النداء , وقيل عوض عن جملة
محذوفة تقديرها: \"يا الله أمنا بخير , وقيل إن الميم زيدت للمبالغة , وقيل"
إنها دالة على الجمع , والمعنى هو: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى , فكأن من
قال: اللهم قد سأل الله تعالى بجميع أسمائه.)
يقول ابن القيم:(إن الميم كحرف شفهي تدل على الجمع وتقتضيه , فالناطق به يضم
شفتيه , ووضعته العرب حيث أرادت الجمع , كما في \"هو , وهم , وانت , وأنتم ,"
وإياك , وإياكم \""
والألفاظ التي فيها الميم في آخرها خاصة تجد الجمع معقودا بها , مثل: \"لمّ"
الشئ يلمّه , وتمّ الشئ يَتم\", تماما , وجمّ الماء , وزمّ شفتيه , وهذان"
توأمان.
فمن سمات الميم آخرا الدلالة على الجمع.
وكذلك الميم المشددة في \"اللهم \"حيث ألحقت بالاسم الأعظم الذي يسأل به في
كل حال وحاجة , إيذانا بجمع أسمائه وصفاته فالداعي مندوب إلى أن يسأله تعالى
بأسمائه وصفاته على قدر علمه بها \"ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها \"سواء
كان دعاء عبادة , أو دعاء مسألة ,ومن ثم كان لفظ \"اللهم \"دالا على مجمع
الدعاء)
(فلفظة \"اللهم \"تجمع بين أمرين:
الأول: التعويض عن حرف النداء.
والآخر: الدلالة على الجمع والتعظيم.
وكأن العرب في تعويضهم عن \"يا \"اختاروا حرفا يؤدي مهمة التعويض , ومهمة
الدلالة على الجمع والتعظيم , لتتكاثر عطاءات الصيغة.)
واصطفاء لفظ الألوهية دون أن يقال مثلا \"لبيك ربنا \"يرجع - كما أرى - إلى
أن السياق سياق تمجيد , واعتراف وإقرار بالوحدانية , وإشارة إلى جميع الأسماء
الحسنى, وهذا كله لا تجده إلا في لفظ الألوهية.
لا شريك لك:
(الشريك ثلاثي الأصل من الشين والراء والكاف يدلُّ على مقارنَة
وخِلاَفِ انفراد , وهو أن يكون الشيءُ بين اثنين لا ينفردُ به أحدهما , فيقال:
شاركتُ فلانًا في الشيء، إذا صِرْتَ شريكه , وأشركْتُ فلانًا، إذا جعلتَه
شريكًا لك , قال الله جلَّ ثناؤهُ في قِصَّةِ موسى: {وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي}
طه 32
ويقال في الدُّعاء: اللهم أشرِكْنا في دعاء المؤمنين، أي اجعلنا لهم شركاءَ في
ذلك، وشَرِكتُ الرَّجُلَ في الأمرِ أشْرَكُه.)
و أحيطت جملة نفي الشريك بأربع كلمات تلبية لاحظ هذا:
لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك