نرى في الحديث السابق قد جاء فيه الفعل المضارع (أنشدك) أي (أستحلفك) وهو فعل القسم، وبالله مقسم به وجواب القسم أحب الله ورسوله مصدرًا بهل الاستفهامية. وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلغ به في سفري ) ) [1] .
في هذا الحديث يبين رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على لسان الملك الذي بعثه الله الى ثلاثة أشخاص لأختبارهم فكان أولهم مصابا بمرض البرص فشفي بعد أن دعا له الملك وأعطي بعيرا فكثر ونما فجاءه الملك مرة أخرى على صورته أي صورة الرجل وهيئته قبل أن يشفى فأقسم عليه أن يعطيه شيئا مما أعطاه الله فلم يقبل وأنكر عليه بأنه ورث هذا المال من آبائه وأجداده. فاستعمل الملك كلمة (أسأل) للدلالة على القسم لأنه يتضمن معناه والمقسم به محذوف تقديره (بالله) ثم جاء باسم الموصول وبعده الجملة الفعلية للتوضيح أن المنعم هو الله وأن الذي ردّ عليه لونه هو الخالق ليلين قلبه ويتذكر ما كان عليه سابقا.
ب ـ المقسم به: يكون القسم باسم معظم لدى المقسم ويكون اما من الخالق أو من المخلوق، فان كان من الخالق فيكون قسمه سبحانه على ثلاثة أوجه:
1 ـ بذاته كقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} [2] .
2 ـ أو بفعله كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا - وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا - وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [3] .
3 ـ أو بمفعوله كقوله تعالى {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [4] و {وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} [5] ، أو ان يكون من المخلوق فلا يجوز له أن يحلف ألا بالله سبحانه عن الحسن (- رضي الله عنه -) قال: (( إن الله يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم ألا بالله. ومن هنا أوعد رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) (كل من يحلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك. ) ) [6] ، ويأتي القسم على أنواع وهي:
1 ـ القسم الصريح (الظاهر) .
2 ـ القسم المقدر.
1 ـ القسم الصريح (الظاهر) : وهو الذي يذكر فيه فعل القسم وفاعله والمقسم به كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( أقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا ) ) [7] ، ولكن ليس بالضرورة أن يذكر الفعل أو المقسم به معًا، فأحيانًا يذكران كما سبق واخرى بذكر الفعل من دون المقسم به كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ثلاثة أقسم عليهن ... ) ) [8] ، وأحيانا يكون المقسم به كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( والله إني لأستغفر الله وأتوب اليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) ) [9] ، دون الفعل ويكون المقسم به على أنواع:
أـ القسم بلفظ الجلالة (الله) .
ب ـ القسم بلفظ (الرب) .
ج ـ القسم بالاسم الموصول (الذي) .
د ـ القسم بألفاظ أخرى منهي عنها.
أـ القسم بلفظ الجلالة (الله) : بما أن الله سبحانه خالق الإنسان والوجود وبديع السماوات والأرض، فلا يكون أحد فيه أحب إلى المؤمن من الله تعالى ولا أعظم منه، ومن هنا أمر الله جلت قدرته وعظمت أسماؤه عباده بأن لا يقسموا إلاّ به سبحانه بذاته أو بإحدى صفاته، قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ) [10] .
إن سيدنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بلغنا عن الله سبحانه من أنه نهانا من أن نحلف بآبائنا او بغيرهم، وهذا النهي نهي تحريم إن اعتقد الحالف في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في
(1) ر 65/ 50.
(2) سورة مريم، الآية: 68.
(3) سورة الشمس، الآيتان: 5 - 7.
(4) سورة النجم، الآية: 1.
(5) سورة الطور، الآية: 1، 2.
(6) ر 117 - 502، وينظر: الاتقان في علوم القرآن: في هذه الأوجه الثلاثة 2/ 170؛ وامعان في
أقسام القرآن، للفراهيدي / 103.
(7) ر 520/ 201.
(8) ر 557/ 212.
(9) ر 13 - 25.
(10) ر 1707 ـ 501.