فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 222

هذا جزء من حديث يرويه لنا الصحابي الجليل أنس بن مالك (- رضي الله عنه -) في سفرة مع جرير بن عبد الله فنراه يقسم بالله على نفسه ليخدم كل أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) محبةً فيهم وإخلاصًا لهم وتكريما لقدره.

فالفعل آلى: فعل ماض دال على القسم لوجود إلاّ لأن المقسم عليه بعد هذه اللفظة يكون مصدرًا باحدى هذه الأدوات (الا، لما، أمر، نهي، استفهام) [1] .

وفي الحديث بيان لفضائل الصحابة وحبهم لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) حتى من رأى رسول الله يُكرَم ويُخَدم حبًّا فيه. وفيه دليل على تواضع جرير (- رضي الله عنه -) لأنه كان أكبر سنا من أنس ومع هذا يخدمه.

2 ـ أو أن يكون فعل القسم مضارعا: كقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها الا زاده الله عزا ولا فتح عبد باب مسألة الا فتح الله عليه باب فقر ) ) [2] . فنلاحظ فعل القسم (أقسم) وهو فعل مضارع.

يشير رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في الحديث السابق الى خصال ثلاثة، ويؤكد كلامه بالقسم عليهن ليزداد يقينا ويقوى المخاطب ايمانا بما أقسم عليهن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لأن في ظاهرها خلاف ما في حقيقتها، ففي الظاهر ان المال ينقص، والمظلوم يذل، والمسألة تغني العبد لكن الأمر نقيض ما يرى، فالمال بالصدقة ينمو، والمظلوم بالصبر يعز، والعبد بالسؤال يفتقر.

فالفعل (أقسم) هو فعل القسم، وقد جاء مضارعا، والمقسم به محذوف وهو (بالله) لأنه معلوم لدى السامع وقدمّ ثلاثة اقسم عليهن للاهتمام بها وتشويق السامع إليها. وأنّث (ثلاثة) لحذف المعدود تقديره خصال ثلاثة والفاعل محذوف في: (( ولا ظُلِم عبد مظلمة ) )حتى يشمل ظلم الضعيف والقوي ونكر مظلمة لتنضوي تحتها أنواع الظلم في النفس أو المال أو العرض. واستعمل مع (صبر) (على) دلالة على الاقتدار والتمكين من رد المظلمة ليكون العبد في صبره آجر وثوابه أكبر.

وشبه الفقر ببناء له باب فحذف المشبه به وجاء بشيء من لوازمه وهو ... (الباب) على سبيل الاستعارة المكنية.

ورد فعل القسم (يحلف) ومرادفاته كثيرًا في أحاديث رياض ... الصالحين [3] ،

ومنه قول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بفعل المضارع المنهي عنه (لا تحلفوا) (( لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم فمن كان حالفا، فليحلف بالله ) ) [4] . (الطواغي: جمع طاغية من طغا ويطغو طغيانا، أي جاوز الحد وكل مجاوز حده في العصيان فهو طاغ، والطواغي بمعنى الأصنام ومنها(هذه طاغية دوس) أي: صنمهم ومعبودهم. والطاغوت: الكاهن والشيطان، وكل رأس في الضلالة [5] .

وروي في غير مسلم: بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان ... والصنم [6] . نهى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الحلف بغير الله سواء كان بالأصنام أم بالرؤساء والعظماء، فقدم النهي (لا تحلفوا) على الأمر (وليحلف) لأنه (- صلى الله عليه وسلم -) أراد أن يهدم الكفر ويبني الايمان.

وفعل القسم هو (لا تحلفوا) والمقسم به (الطواغي) والمقسم عليه محذوف أي (على أي شئ) . وأكد النهي (بلا) الزائدة للتوكيد بعد واو العطف في قوله (ولا بآبائكم) ولم يكرر الفعل (لا تحلفوا) لدلالة ما تقدم عليه.

3 ـ أفعال أخرى في القسم: مثل يتألى وينشد، ومن ذلك قول كعب بن مالك لقتادة:"أنشدك بالله هلا تعلمني (أُحِب اللهَ ورسولَه) [7] . وهي ألفاظ غير صريحة تستعمل للقسم وأصل أنشدك: أسألك وأطلب منك بالله. والمقسم عليه بعده يكون مصدَّرًا بـ (الا) أو (لمّا) أو بأستفهام، أو أمر، أو نهي، كما في شرح الكافية الشافية: (والمُستحلفُ عليه بعدهما بـ(الا) ، أو (لمّا) بمعناها أو باستفهام أو أمر أو نهي) [8] . ويقصد من كلمة بعدهما أي بعد (نشدتك) و (عمّرتك) :"ومثله ـ (أي مثل نشدتك) ـ (عمرتك الله) معنى وأستعمالا، الا أن (عمرتك) مستغن عن الباء) [9] .

ومعنى (نشدتك) و (عمرتك) ضمنا معنى استحلفت مخصوصين بالطلب.

(1) ينظر: شرح الكافية الشافية 2/ 869.

(2) ر 557/ 212.

(3) ر 1708/ 501.

(4) ر 1708/ 501.

(5) الصحاح 6/ 2413 ـ 2413، (طغا) .

(6) ينظر: رياض الصالحين / 502.

(7) ر 21 - 29.

(9) م. ن 2/ 868.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت