الرأى الراجح في نظرنا:
ومع ذلك فإن الرأى الراجح في نظرنا هو القول الأول، وذلك لأنه هو الذى يتفق مع مقاصد التشريع الإسلامى في المحافظة على بقاء الأسرة ما أمكن، وحمل ظاهر حال الناس على الصلاح مع إحسان الظن بهم، ولأن فسخ العقد قد يكون مدخلًا لانحراف المرأة إذا عزف عنها الخطاب بسبب ذلك.
3.أثر البكارة في التعبير عن الرضا عند الزواج: وللبكارة أثر في التعبير عن الرضا عند الزواج؛ حيث يعد السكوت معها قرينة على الرضا والتعبير عنه، وقد اتفق الفقهاء على أن سكوت البكر البالغة عند استئذانها في النكاح يعد موافقة منها وتعبيرًا عن رضاها به، وذلك لما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه - قال: (الأيّم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها) [1] ، فقد دلَّ هذا الحديث الصحيح على أن البكر ينبغى أن يؤخذ إذنها في أمر نكاحها وأن سكوتها عند أخذ الإذن بذلك يعد قرينة على الرضا أو تعبيرًا عنه.
وهذا الحكم مبناه على ما عهد في الفتاة من فرط الحياء لاسيما فيما يتعلق بمواطن العفة والحياء من بدنها وجوانب حياتها، ولم تعهد البكر صريحة في تعبيرها عن رغبتها في الارتباط برجل يمس بمواطن الحياء منها، ولهذا تجرى الإشارة في ذلك مقام العبارة، والسكوت مقام الكلام، فجرى سكوتها على تلك الفطرة النسائية المعهودة في كل عصر وجيل، ومثله الضحك دون سخرية، والتبسم، والبكاء بلا صوت لدلالة ذلك على الرضا ضمنًا.
وإذا كان السكوت- في جانب البكر- صالحًا للتعبير عن إرادتها، وذلك على أساس أنه سكوت في موطن يقتضى الكلام فقام مقامه، فإنها لو عبَّرت عن رأيها صراحة فلا تثريب عليها، ومدار ذلك على الأعراف وقرائن الأحوال في البكاء والضحك، والصمت والكلام ويتعين الاحتياط عند ذلك لما يلمس منه رضاها الفعلى بالنكاح [2] .
وللبكارة في عقد النكاح آثار أخرى تتعلق باشتراط الولى لتزويجها وهو ما مذهب إليه جمهور الفقهاء، وعدم اشتراطه عند أبى حنيفة حيث ذهب إلى أن للبكر الحرة البالغة العاقلة أن تزوج نفسها فإن زوجت نفسها من غير كفء، أو بدون مهر المثل؛ فلوليها حق طلب الفسخ ما لم تحمل [3] .
(1) رواه مسلم من حديث ابن عباس، راجع: صحيح مسلم- جـ2 رقم 1037 - طبعة الحلبى.
(2) يراجع في ذلك: حاشية ابن عابدين- جـ2 - صـ298، وحاشية الدسوقى- السابق- جـ2 - صـ224 وما بعدها، وقليوبى وعميرة على شرح المنهاج- جـ3 - صـ223، وكشاف القناع- السابق- جـ5 - صـ43 وما بعدها.
(3) وفى الإجبار على النكاح وعدمه، واشتراط البكارة ووجودها حكمًا وأحكام كل ذلك: ابن عابدين- السابق- صـ296 وما بعدها.